منذ سنوات، والعالم يتحدث عن «نهاية الهيمنة الأمريكية الأحادية» وكأنها نبوءة، لكن ما نراه اليوم في أروقة مجموعة «بريكس» بعد توسعها، يشير إلى أن قطار التغيير قد انطلق بالفعل، وأن العالم الذي عرفناه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، بدأ يفسح المجال، لواقع جديد أكثر تعدداً.
لكن السؤال يبقى، هل تنجح «بريكس»، في كسر سطوة الدولار وتقليص الهيمنة الأمريكية؟
في الواقع أن الدولار ليس مجرد عملة، بل هو «نظام عالمي» متجذر، ولا يمكن إزاحته عن المشهد، لكن ثمة سعياً لمنافسته، فتوجه العديد من دول «بريكس» نحو «التمرد الهادئ»، عبر التبادل بالعملات المحلية ليس مجرد مناورة، بل هو «إعلان استقلال» سياسي. فهناك العديد من الدول لم تعد تحتمل فكرة، أن تظل رهينة لقرار يصدر من «البنك الفيدرالي» في واشنطن، أو خاضعة لسلاح العقوبات الذي يُشهر في وجه كل من يغرد خارج السرب. وهذه التحركات محاولة لخلق «منطقة أمان» مالية تحمي السيادة الوطنية من تقلبات المزاج السياسي في الغرب، خارج النظام المالي العالمي الذي تحتكره واشنطن.
لكن الطريق نحو هذا النظام الجديد ليس مفروشاً بالورود، فداخل «بريكس» مليء بالتناقضات، والتنافس الصيني الهندي، على سبيل المثال، يمثل تحدياً حقيقياً، فكيف يمكن لخصمين لديهما نزاعات حدودية وتنافس على زعامة آسيا، أن يجلسا على طاولة واحدة لرسم سياسة عالمية موحدة؟ لكن يبدو أن هناك قبولاً مبدئياً من هاتين القوتين للتعاون، لإدراكهما أن العمل الجماعي هو السبيل الوحيد لإعادة توازن الكفة أمام الغرب، وهو ما يجعلهم يضعون الخلافات جانباً لصالح «الكعكة الكبرى» وتغيير قواعد اللعبة الدولية التي ظلت جامدة لعقود.
وفي قلب هذه المعادلة، يأتي الدور العربي، ليعطي للمجموعة ثقلاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله، فانضمام دول عربية وازنة ل«بريكس» ليس مجرد تغيير في التحالفات، بل هو ممارسة ذكية لسياسة «توازن القوى». فهم يمدون يداً للغرب، بينما يفتحون الأبواب على مصاريعها لاستثمارات الشرق، وهذا التموضع العربي الجديد، يعكس وعياً بضرورة بناء جسور اقتصادية، تؤمن المستقبل بعيداً عن الاستقطابات الحادة.
ما يحدث اليوم يتجاوز حدود التكتلات التجارية، بل «مخاضاً» لنظام عالمي جديد، سيتعين فيه على القوى التقليدية الاعتراف بأن هناك شركاء جدد على الطاولة. قد لا يسقط القطب الواحد، لكن الأكيد أن الطاولة لم تعد تتسع لشخص واحد فقط.
دول «بريكس» قررت أن تكتب مستقبلها بأيديها، وفي هذا العالم الجديد، البقاء ليس للأقوى عسكرياً فحسب، بل للأكثر قدرة على المناورة وبناء الشراكات العابرة للقارات، وتطويع الجغرافيا لخدمة الاقتصاد والسيادة معاً.
ويبقى السؤال الأبرز.. هل سترضى واشنطن بالوقائع الجديدة، أم ستبقى تقاوم حتى النفس الأخير؟

[email protected]