الطاقة النووية لا تهدد اليوم بفناء ما حققه الإنسان من إنجازات، بل تهدد بقاء الإنسان ذاته، فضلاً عن تهديدها حياة كل الكائنات الحية، وكل مظاهر الحياة على سطح كوكب الأرض.
لقد شكّلت الأسلحة النووية كابوساً يقضّ مضجع البشرية، منذ لحظة ظهورها في مشروع «مانهاتن» الأمريكي، واستخدامها لضرب مدن اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية. فهذا السلاح ليس سوى سلاح تدمير شامل للبشر والجماد، فكلّ ما على سطح الأرض في بقعة معينة، يتحول هباءً منثوراً في ثوانٍ معدودة من جراء انفجار قنبلة ذرية واحدة.
وكانت القوى العظمى، مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق وألمانيا واليابان، تسعى خلال الحرب العالمية الثانية لتطوير سلاح ذري، وكانت الولايات المتحدة وحدها التي نجحت في ذلك، لأنها كانت بعيدة عن ميدان الحرب الأساسي في أوروبا وآسيا، ولم تتعرض للقصف والتدمير كما حدث للدول الأخرى المنخرطة في الحرب. وقد استخدمت الولايات المتحدة سلاحين ذريين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي، لإنهاء الحرب مع اليابان، وأيضاً لحسم مصير الحرب العالمية الثانية لمصلحتها، فهذا السلاح هو الذي جعلها الدولة الأقوى في العالم، وخضعت لها القوى العظمى في أوروبا والعالم.
وكانت الولايات المتحدة قد وضعت خططاً حربية لمهاجمة الاتحاد السوفييتي، بين الأعوام 1945 و1950. وذلك بإلقاء ما يصل إلى 292 قنبلة ذرية بواسطة الطيران القاصف، لتدمير المنشآت الصناعية المدنية والعسكرية وتدمير محطات توليد الكهرباء، وبناء السفن، وإنتاج النفط وتكريره، وغيرها من الصناعات الحربية السوفييتية الأساسية. وتوقعت التقديرات وقوع نحو 6.7 مليون ضحية، من بينهم 2.7 مليون قتيل. ولم يتم تنفيذ تلك المخططات، بسبب الخوف من أن يكون الاتحاد السوفييتي قد تمكن من صنع ذلك السلاح بالفعل، في حين أنه لم يعلن عن امتلاك هذا السلاح إلا عندما أجرى تجربة ذرية ناجحة باْسم «البرق الأول» في جمهورية كازاخستان في أغسطس/آب عام 1949، وكان قد أصبحت لديه مجموعة كبيرة من القنابل آنذاك.
وظل التنافس بين هاتين الدولتين يحكم عالم ما بعد الحرب، فتم تقسيم ألمانيا المهزومة إلى دولتين: غربية تابعة للولايات المتحدة، وشرقية تابعة للاتحاد السوفييتي. كما تم تقسيم أوروبا إلى قسمين: قسم أمريكي يضم دول غرب أوروبا، وقسم سوفييتي يضم دول شرق أوروبا. وشكلت الأزمة الكوبية عام 1962 ذروة صراع الحرب الباردة، وكادت تؤدي إلى وقوع صراع نووي، لولا أن تراجع الاتحاد السوفييتي، وسحب صواريخه النووية من الأرض الكوبية. وكان ذلك التراجع دليلاً على أن فلاسفة الشيوعية، لم يكونوا يسعون إلى تدمير العالم وإفناء البشرية، بل كانوا يريدون إقامة المجتمعات الشيوعية الدولية. ولذلك فقد ساد السلام الإجباري بين القطبين.
وكانت «البيريسترويكا» أو «إعادة الهيكلة» التي طرحها غورباتشوف الزعيم الأخير للاتحاد السوفييتي، بمنزلة القشة التي قصمت ظهر البعير، لأنها كانت محاولة يائسة لإحياء جسم ميت، وفي تلك المرحلة الأخيرة، تلاقت الإرادتان السوفييتية والأمريكية على عقد معاهدة لخفض كمية السلاح النووي لديهما، فكانت معاهدة ستارت، التي وقعها الرئيسان جورج بوش الأب، وميخائيل غورباتشوف في 31 يوليو/ تموز 1991، وحظرت المعاهدة على الدول الموقعة عليها نشر أكثر من 6000 رأس حربي نووي، وما مجموعه 1600 صاروخ باليستي عابر للقارات وقاذفة قنابل.
وأسفر التطبيق النهائي للمعاهدة عن إزالة نحو 80% من جميع الأسلحة النووية الاستراتيجية الموجودة آنذاك. وانتهت صلاحية المعاهدة في ديسمبر/كانون الأول 2009. وفي إبريل/نيسان 2010، وقعت الولايات المتحدة وروسيا «وريثة الاتحاد السوفييتي» معاهدة نيوستارت البديلة في براغ من قِبَل الرئيس الأمريكي باراك أوباما والرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف. ودخلت المعاهدة حيز التنفيذ في فبراير/شباط 2011، ومددت التخفيضات الكبيرة في الأسلحة النووية الاستراتيجية الأمريكية والروسية حتى فبراير/شباط 2026.
وقد حدّدت هذه المعاهدة عدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية المنتشرة لدى الولايات المتحدة وروسيا ب 1550 رأساً على 700 نظام إطلاق نووي منتشر على «طائرات، وصواريخ باليستية عابرة للقارات، وصواريخ تُطلق من الغواصات». وبما أن المعاهدة لا تنطبق إلا على الأسلحة النووية الاستراتيجية المنتشرة على منصات الإطلاق المختلفة، فإن كلا البلدين يمتلكان ترسانات نووية أكبر، حيث يُقدّر أن روسيا تمتلك 5459 رأساً نووياً، والولايات المتحدة 5177 رأساً في المستودعات. وفي فبراير/شباط 2023، علّقت روسيا مشاركتها في معاهدة «نيوستارت» الجديدة، بسبب الدعم الذي كانت تقدمه الولايات المتحدة لأوكرانيا، لكنها لم تنسحب منها. الأمر الذي أدى في النهاية إلى انتهاء تلك المعاهدة الشهر الماضي.
لقد أصبح خطر استخدام السلاح الذري هاجساً يؤرق البشرية مع تزايد الصراعات، وانتشار بؤر التوتر فهل يدرك قادة الدول الكبرى ما عانته البشرية جراء هذا الخطر؟!.
نهاية «نيو ستارت» والقنبلة الذرية
14 فبراير 2026 00:33 صباحًا
|
آخر تحديث:
14 فبراير 00:33 2026
شارك