د.نسيم الخوري

يسكنني التفكير في أنّه لا يمكننا الجزم لمعاني ولمخاطر إيقاظ النعرات، الدينية والمذهبية، بأسبابها وأبعادها ونتائجها المخيفة التي حلّت وتتقدّم، لكأنها عامل مساعد في التغيير. من المبكر التسرّع في التفكير والبحث عن ملامح هذا التغيير باعتباره عناصر نهضوية معاصرة يمكن تقفّيها. ويبدو أن العديد من الدول في العالم لا تتقفّى، بل لا تتفهم استراتيجيات أمريكا المستمرّة والمتناغمة، بل المتماسكة بين الديمقراطيين والجمهوريين، لا للتراجع نحو الخلف بل نحو شعار شهير رفعه الرئيس دونالد ترامب، منذ ولايته الأولى: «أمريكا أوّلاً» بالمعنى القومي والحاسم للدولة العظمى، إذ كان من الممكن فهمه كاستراتيجية مؤجلة أو غير مؤجلة للتأهب مستقبلاً، لا نحو إيران والاتحاد السوفييتي والصين والشرق الأقصى، صعوداً وتسابقاً حافلاً بالصراعات والتفاهمات، تنقيباً لا عن ثروات الشرق وحسب، بل صعوداً نحو القطب المتجمّد الشمالي نسفاً لما تبقّى من جليده، وفتحاً لممرات تسهّل بعبورها جنوباً نحو الغرب عبر الدانمارك، ومنها نحو دول لا تُحدّ، ولا تُعد.
لنقُل ببساطة متابعين وسائل الإعلام اللامتناهية عالمياً مع ترامب الثاني الذي يوقّع قراراته بالأسود رافعاً تواقيعه في لوحات أمام العيون البشرية، تعني لمن لا يُدرك أنّ ما تمّ التوقيع عليه مرّ عبر المصافي الدقيقة، قبل وضعه فوق مكتب رئيس الدولة العظمى في البيت الأبيض، جاهزاً للتوقيع.
إنّنا وكأننا خارج قرون جوهر الأديان والصراعات الدينية بمعانيها وأبعادها وقيمها المتعدّدة الشائعة، بل نحن في عصرٍ يسخّر فيه الدين للأسف، عبر أجيال المتدينين المستعارين تعبيداً للطرق نحو الخيرات الجديدة المُقيمة في ذاكرات العظمة المتجدّدة، واستراتيجياتها في الأرض والمياه.
وصلت باريس في ال1972 بحثاً في مفاهيم الحداثة واستراتيجيات التحولات الدولية في جامعات السوربون التي تحوّلت أمام أعيننا متظاهرين إلى فروع، وأسقطت الجنرال شارل ديغول، وشرّعت أبواب فرنسا، ولربما دول متعددة في العالم، على اليقظة الدائمة للأجيال المتضافرة بحثاً عن الحريّة والكشف، والتغيير الذي هو حاجة بشرية وإنسانية دائمة إلى التغيير والتطوير.
اليوم، وبعد 53 سنة من تذويب الكيان في تعليم الأجيال في الجامعات، أستعيد هامة المفكّر الفرنسي الملحد أندره مارلو (1901-1976) الذي جذبنا شباباً ودمغ الأجيال والأذهان بما أسماه «جرثومة» التغيير، واضعاً مصطلح الجرثومة بين قوسين، عندما تسلّم وزارة الثقافة في فرنسا لسنواتٍ عشر من ال1959 حتّى ال1969 فاعتُبر مع رفيقه جان بول سارتر الذي عرفناه عن كثب في أساس الفكر التغييري وفكّ القيود وإطلاق حريات الأجيال عبر إطلاق الجامعات من سجونها الأكاديمية إلى ساحات فرنسا والعالم وتعميم النشيد العالمي الذي عُرف ب«يقظة الأجيال».
أمامي هذا النص بعنوان «القرن الواحد والعشرين هو قرن الأديان»، وهو عنوان مقابلة مارلو المذكور في مجلّة «لو بوان» الفرنسية عام 1955، أي قبل 70 عاماً من ال21 وفيها: «لا أستبعد إمكانية حدوث يقظة دينية لا على مستوى البلاد الإسلامية وحسب، بل على مستوى الكرة الأرضية... سيكون القرن الحادي والعشرون قرن الأديان والصراعات الدينية... وأقصد بالأديان بصفاتها تستعمل أحياناً أقنعة سياسية متنوعة وضرورية لحروب الدول والأنظمة في مناطق العالم المسيطرة عليها. سيستخدم الغرب الترسانات الأيديولوجية أسلحة فعّالة بين يديه لاحقاً، خصوصاً في الدول الإسلامية... إذ لكل بلد هويّة حضارية وفقاً لظروفه أو تناقضاته الاجتماعية وتكويناته الدينية والإثنية».
من تابع تفاصيل ما حصل في «دافوس»، مؤخراً، وما يحصل في مجاهل العلاقات الدولية يسكنه التوجّس والرعب بعدما تابعنا عيون العالم تحدّق نحو أقاصي الشرق بعين حمراء، لربّما لم تنم منذ سقوط البرجين، مهما جرّ من حبر ملتهب متناقض، وبسبب ما خلّفه من كوارث ودماء في الشرق الأوسط بما ضاعف القناعات والكلمات عينها بالمؤامرة. إننا نشهد بعث مظاهر الانقسامات وزج القوميات والأنظمة في مواقد الصراعات الدينية والمذهبية والحزبية التي علّقت الآمال الكبرى بالسجّادات الحمراء التي نسينا أنها رفعت الأغطية السميكة عن بعض الأنظمة عبر فصول الربيع العربي لتشكيل المنطقة المعقّد، وفقاً لنظام عالمي جديد قوامه نهضة عصور من الانفتاح والتواصل، وخرق الحجب السميكة عبر الانقلابات، والصراعات الحزبية، والشعبية، والمذهبية.
[email protected]