يبدو علي أكبر في نحو السبعين من العمر، بعد حياة طويلة أمضاها في فرنسا، وتحديداً في حيّ سان جيرمان دي بريه أحد أرقى الأحياء في باريس التي جاءها من باكستان وهو في نحو العشرين من عمره، ليعمل في غسل أطباق الطعام في المطاعم في بداية هجرته التي كما يبدو لم تكن مغامرة ولا ترفاً أملاه عليه شبابه المراهق آنذاك، بل هو الفقر الذي جعله يبحث عن حياة أجمل أو أفضل، وهكذا، وبالصبر ومع الأيام عمل بائع صحف في مدينة ربما كانت تقرأ أكثر مما تأكل، واختار حيّ سان جيرمان من الصباح إلى المساء، يبيع الجرائد، ويمازح الناس، ليصبح مثالاً ناجحاً على (الاندماج الذي يجعل فرنسا أقوى وأكثر فخراً) كما قال الرئس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قبل أيام، وهو يكرّمه بمنحه رتبة فارس في الوسام الوطني للاستحقاق (تقديراً لخدماته الطويلة لفرنسا ولمسيرته الاستثنائية في شوارع العاصمة).
الرئيس الفرنسي وهو يكرّم علي أكبر خلال حفل أقيم في قصر الإليزيه أعطى المناسبة بعداً ثقافياً حين قال إن اللغة الفرنسية أصبحت لغته، وخاطب بائع الصحف قائلاً: «شكراً لك لأنك كنت تنقل الأخبار السياسية إلى شرفات المقاهي بصوتك العالي، وتدفّئ قلوب زوّار المقاهي»، وأضاف ماكرون: «أنتَ صوت الصحافة الفرنسية».
ولم يكن علي أكبر صحفياً، بل مجرد بائع صحف، ولكنه بث روحه في الدائرة السادسة في باريس، وقد قال: «أنا فارس، لقد نجحت»، وفي الثمانينات كما قال كان يوجد في العاصمة نحو أربعين بائع صحف، وكان آنذاك يبيع نحو 200 صحيفة في اليوم، في حين أنه يبيع الآن نحو 30 صحيفة فقط، ولكنه لم يتوقف عن عمله، يقول: «سأواصل بيع الصحف وإضحاك الناس بنكاتي»، وعلى أي حال، هو ليس خائفاً على شيخوخته، ويتقاضى راتباً تقاعدياً يبلغ نحو ألف يورو في الشهر.
أعدت إليك قصة علي أكبر الفرنسي من أصول باكستانية، صاحب الوسام الرفيع الذي تقلّده في الإليزيه، بائع الصحف الذي أصبح رمزاً لمثالية الاندماج الثقافي في فرنسا، القادم ربما من قرية نائية مغمورة بين الجبال ليصبح صوتاً لصحافة حرّة، مكتفياً بالقليل من المال، لكنه، غنيّ بالكثير من الكرامة.
ترى، وربما أن الفرنسية أصبحت لغة علي أكبر، ماذا لو أنه كتب قصة حياته بهذه اللغة، وتبنّت كتابه دار نشر في مثل قوّة «غاليمار»، ثم حالفه الحظ، وباع بالملايين، ليصبح نجماً روائياً في فرنسا كلها، وكانت فكرته الاندماج الثقافي الذي أشار اليه ماكرون؟ فأي وسام كان سيحظى به بائع الصحف ذاك؟.
[email protected]