حتى وقت قريب، لم تكن المنطقة القطبية الشمالية محوراً لصراع استراتيجي ساخن، الآن، باتت تثير المخاوف من حرب عالمية جديدة في ظل العسكرة المتنامية والتوتر المتصاعد بين القوى الكبرى المتنافسة للسيطرة على تلك المنطقة التي كشفت مؤخراً عن أهمية استراتيجية غير مسبوقة.
بغض النظر عن الأطماع الأمريكية للاستحواذ على جزيرة غرينلاند، سلماً أو بالقوة، ليس فقط بسبب مواردها الاقتصادية الهائلة ومعادنها النادرة والنفيسة، علاوة على ما تعتبره واشنطن أهمية استراتيجية لأمنها القومي، وإنما لأنها أصبحت مفتاح السيطرة على منطقة القطب الشمالي بأكملها في المدى الأبعد. وهي ليست المرة الأولى التي تحاول الولايات المتحدة شراء الجزيرة أو الاستحواذ عليها بأي طريقة ممكنة، بينما تبين أن نحو 40% من أراضي الولايات المتحدة تم الاستحواذ عليها عن طريق الشراء. وكانت أولى المحاولات للاستحواذ على غرينلاند جرت في عام 1867، ثم في عام 1910، وبعد الحرب العالمية الثانية اقترحت الولايات المتحدة على الدنمارك شراءها مقابل 100 مليون دولار من الذهب، بعد أن اكتشفت ميزتها الجغراقية في الدفاع عن أراضيها ضد القاذفات الاستراتيجية السوفييتية التي قد تحلق فوق الدائرة القطبية الشمالية باتجاه أهداف أمريكية.
لكن، رغم الصدمة الدنماركية، تم الاتفاق، في نهاية المطاف، على إقامة قواعد عسكرية أمريكية في الجزيرة، لم يتبق منها سوى واحدة بسبب تغير الظروف. وهي الظروف التي أدت بعد انهيار الاتحاد السوفيييتي إلى تشكيل «مجلس القطب الشمالي» في عام 1996 والمكون من ثماني دول هي: كندا، الدنمارك، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة، بهدف التعاون في حماية البيئة وقضايا التنوع البيولوجي والمناخ وحماية حقوق الشعوب الأصلية. لكن الأمر لم يدم طويلاً أيضاً، فقد أدى الاحترار المناخي، ولا يزال، إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، ما أدى إلى وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض الجليدية البيضاء.
إذ تشير الدراسات إلى ثروات هائلة كامنة تحت الجليد، وبينها نحو 13% من احتياطيّ النفط غير المكتشف عالمياً، ونحو 30% من احتياطيّ الغاز الطبيعيّ المنتظر عالمياً، إلى جانب المعادن النادرة مثل النيكل والكوبالت وغيرهما. لكن ينبغي الاشارة إلى أن جغرافيا القطب الشمالي كانت على الدوام محط تنافس ومطامع، وفي حين أكدت روسيا أنها سترد بقوة على محاولات عسكرة المنطقة، بدت أوروبا المنقسمة أكثر تخوفاً من اندلاع حرب محتملة.
كما أسهم صعود الصين، المهتمة بإبقاء احتكارها لمعظم أصناف المعادن النادرة والثمينة عالمياً، والتقارب الروسي الصيني، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيو اقتصادية، وأدى إلى تسارع خطوات العسكرة، التي بات يخشى معها وقوع صدام بين الدول الكبرى، وربما إلى كارثة كونية جديدة.

[email protected]