مع توالي المناسبات، يتضح أكثر شكل العالم الذي تريد الولايات المتحدة رسم ملامحه الجديدة وتكاد تؤمن وحدها بقواعده المصرة على تجاوز كل ما استقر من سياسات ومنهجيات قانونية دولية، رغم التحذير من عواقب ذلك على الأمن العالمي ومبادئ السلام والتعايش بين الدول.
رأينا جميعاً الممارسات الأمريكية التي تكررت وتكثفت في الشهور الأخيرة، وبدا أنها تؤسس لنهج متفرد في التعامل مع المشكلات السياسية بعيداً عن القانون الدولي، فلم يعد تغيير رئيس ما، مثلاً، يستدعي أكثر من خطفه، وأصبح عادياً التهديد بتكرار ذلك في دول يراد تغيير نظامها، وعدنا إلى زمن الهيمنة على ثروات شعوب أو رسم مستقبلها على غير هواها.
ورغم ذلك، يرى ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، أن من يسميهم أعداء الولايات المتحدة ومزعزعي الاستقرار العالمي، هم المبادرون بانتهاك القانون الدولي، رغم أنهم يرددون شعاراته. والحل الناجع، من وجهة نظر روبيو، هو ما تفعله بلاده الآن بعد أن انتهى العالم المثالي الذي كانت الدبلوماسية وقرارات قوية كفيلة بحل المشكلات التي يواجهها العالم.
من منصة مؤتمر ميونيخ للأمن، يعترف قائد الدبلوماسية الأمريكية بنهاية عصر الاحتكام إلى الدبلوماسية الدولية والاتفاق على قرارات تطوق النزاعات الدولية أو تحد منها، وهو اعتراف لا حاجة له، فترجمته العملية سابقة عليه، لكنه يهدف إلى التسويق في أوروبا للنهج الأمريكي الجديد، واجتذاب مؤيدين له من القارة العجوز بحجة أن مصالحها مشتركة مع الولايات المتحدة، وأن لهما انتماءً حضارياً واحداً.
طبعاً، لا يمكن التأسف على ما كان عالماً مثالياً، بوصف وزير الخارجية الأمريكي، ففي هذا العالم أيضاً، كثيراً ما سادت شريعة الغاب، واستمرت أزمات دولية، وطالت محن شعوب لم تجد في النظام الدولي نصيراً، ولا في قوانينه ما يحمي مقدراتها وأرواحها، فبقيت ضحية تطاحن القوى الكبرى أو ما تفرضه مصالحها من خلاف أو اتفاق.
ورغم ذلك، فإن البديل الذي بدأت الولايات المتحدة تجربته وفرضه وتحاول تعميم القناعة به، لا يدنو بأي حال من المثالية، بل هو بداية عالم تتعقد مشاكله بأكثر مما هي الآن، ويندر فيه الاتفاق على تصور ما للتعامل مع مشكلة دولية، ما لم يحقق المصالح الأمريكية أولاً.
إن هذا العالم الجديد لن يكون أبداً أفضل مع التوجه الأمريكي إلى تغييب الأمم المتحدة وتحميلها أسباب ما تراه الولايات المتحدة مهدداً لأمنها وسلامة مواطنيها ومنفذاً لتحرك من تصفهم بمن يزعزعون الاستقرار في العالم.
لا أحد يرى الأمم المتحدة في أفضل حالاتها، ولا يمكن إنكار هوانها على القوى الكبرى في العالم، لكنّ الإمعان في إضعافها وصولاً إلى محوها لن يضمن للعالم الجديد المنتظر مثاليته، خاصة أنه لن يتكئ على أية رابطة بين أعضائه تحقق بأي قدر ممكن مصالح الجميع، بل سيكون معيار صلاحه من عدمه ما يحققه من فوائد لقوة واحدة، ولو بهضم كل ما سواها.
[email protected]