الاختلاف طبيعة بشرية، والتباين بين الناس أمر فطري، وكلاهما يبدأ من الشكل واللون ويمتد إلى الجوهر والعقل، والاختلاف بين البشر خلق بالتبعية اختلافاً بين الحكومات والدول، وهو ما ألقى بظلاله على الشعوب، ولعل ما نراه على مواقع التواصل الاجتماعي من تلاسن وتنابذ يكشف مساحة الاختلاف الكبيرة فكرياً وسياسياً بين الشعوب المختلفة، وهو اختلاف نلمسه بشكل أعمق بين صناع القرار في العالم.
ولو تأملنا تصريحات الكثير من السياسيين سنجدهم فرقاً مختلفة، فريق يعتاش ويصنع مجده بصناعة الأزمات وإثارة البلبلة وبث الكراهية، وآخر يسعى بكل ما يستطيع لحل هذه الأزمات ومحاولة الحيلولة دون اتساعها أملاً في أن يسود السلام، وفريق ثالث يلتزم الصمت ويكتفي بالتفرج سواءً نتيجة عجز أو خوف من بطش الفريق الأول الذي لا يرتضي للعالم سلاماً ولا استقراراً، ولا يرتضي للبشرية أمناً ولا أماناً، أو حيرة ورغبة في عدم وضعه ضمن تصنيفات تفرض عليه التزامات لا يقدر عليها.
خلال الفترة الأخيرة ازدهرت صناعة الأزمات في العالم، أزمات جديدة تولد من رحم أزمة قديمة، وأزمات يتم استحداثها من دون أي سابق إنذار، وكلما لاح في الأفق أمل بقرب انتهاء أزمة تجد بداية أخرى بل أخريات، قبل أن تنتهي حرب تطل أخرى برأسها، وكلما نجح الدبلوماسيون في وأد صراع ظهر غيره، وكلما بدأت بشائر القضاء على أزمة اقتصادية ظهرت بالتوازي ملامح أخرى أشد وطأة، وكلما نجح العلماء في اكتشاف علاج لمرض أو تحجيم وباء، تم الإعلان عن مرض جديد أو أطل وباء مهدداً ومتوعداً، وكأن الحياة من دون منغصات وقلاقل من المستحيلات ومفروض على الإنسان أن يظل عمره يلهث داخل دوائر الخوف والهلع.
صانع الأزمات في أي محيط، العائلة أو القبيلة أو البلدة أو الدولة أو الإقليم أو العالم، ليس بالضرورة أن يكون هو الأقوى بل قد يكون الأضعف، ولكنه الخبيث المأزوم المبتز والذي يملك بين يديه أوراق ضغط يضغط بها على الأقوى للتأثير على قراراته وإلزامه بدعمه وحمايته والانحياز إليه رغم إدراكه أن أطماعه لا حدود ولا نهاية لها.
جماعات الإرهاب التي تنتشر في طول الأرض وعرضها، هدفها الأوحد هو صناعة الأزمات ونشر الذعر وخلق الفتن والعمل على التفريق بين الأشقاء والأصدقاء من الدول، وللأسف فإن هذه الجماعات تعتاش على ما تتلقاه من دعم الذين يستخدمونها لزعزعة استقرار الرافضين السير في ركبها. الداعمون يخططون ويسلحون ويضعون الأجندات ويحددون الهدف والإرهابيون ليسوا سوى أدوات تنفيذ يفعلون ما يؤمرون، وللأسف أيضاً أن بعض هؤلاء يطمعون في السلطة ومستعدون لتدمير بلادهم وترويع ذويهم لنيل مرادهم، ولنا في ما أسموه «الربيع العربي» وتوابعه دروس وعبر.
قبل أربع سنوات انطلقت الحرب الروسية الأوكرانية، صنعتها أطراف مختلفة ودعمتها أوروبا وأمريكا، وتجاوزت آثارها المتحاربين والداعمين إلى دول العالم كله، أزمات اقتصادية واجتماعية وتحالفات سياسية واستعراضات للقدرات التسليحية والقوة العسكرية، وما زالت مستمرة.
حرب غزة استخدمتها إسرائيل لتدمر القطاع وإخلائه من أهله، وكان الموقف الأمريكي فيها مثيراً للجدل، فالولايات المتحدة تتحدث كثيراً عن السلام ولكنها في ذات الوقت تغذي استمرار الحرب حماية لإسرائيل، وفي النهاية توقفت بإرادة أمريكية، مؤكدة أن أمريكا باعتبارها القوة العظمى اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً هي الأقدر من غيرها على نشر السلام من عدمه عالمياً.
سيد البيت الأبيض هو الذي يحرك العالم وقراراته تمتد آثارها إلى أربع جهات الأرض، وبناءً على مواقفه يتخذ العديد من الزعماء قراراتهم. بعض الدول الأوروبية اتجهت نحو الصين وتعيد صياغة علاقاتها مع روسيا نتيجة قرارات أمريكية، ابتداءً من قرارات الجمارك مروراً بأزمة أوكرانيا والقرارات المتعلقة بالمنظمات الدولية وليس انتهاءً بأزمة غرينلاند، وأمريكا اللاتينية في حالة ترقب للرياح التي ستهب عليها بعد اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو.
العالم يعيش في حالة ترقب لما ستسفر عنه المفاوضات الأمريكية الإيرانية في مسقط، ولو استجاب صناع الأزمات للساعين لإطفائها لعم السلام والأمان الكوكب، ولكن هؤلاء يحاولون وأولئك يستطيعون.
[email protected]
الأزمات.. صناعة تزدهر
15 فبراير 2026 00:01 صباحًا
|
آخر تحديث:
15 فبراير 00:01 2026
شارك