من الوارد أن يكون مر عليك موقف سابقاً، حيث بقيت تحاول حل مشكلة إدارية أو تقنية بطريقة معقدة، ثم اكتشفت بعد ذلك بطريقة ما أن الحل كان أبسط بكثير، وأن ذلك الحل كان موجوداً تقريباً أمامك لكنك لم تنتبه له لأنك كنت تركز بطريقتك المعقدة. في مثل هذه المواقف قد نتساءل كيف غابت عنّا أمور بديهية أو حلول بسيطة لهذه المشاكل اليومية رغم خبرتنا في مجالنا أو خبرتنا في الحياة، لكن في الواقع ما يحدث في مثل هذه المواقف ليس قلة خبرة أو تراجعاً، بل هو ضريبة ندفعها على كفاءتنا وخبرتنا، وهي نظرية علمية شهيرة تدعى «تأثير التثبيت الذهني».
هذا التأثير يصف حالة عقلية غريبة يتجمد فيها الدماغ عند طريقة حل مألوفة وجاهزة، مما يجعله غير قادر على رؤية بدائل أخرى قد تكون أبسط وأسرع. العقل هنا لا يختار الحل الصعب متعمداً، بل هو لا يدرك وجود الحل السهل من الأساس لأنه توقف عن البحث بمجرد أن وجد نمطاً يعرفه من الماضي. هذا النمط هو خبرتك، إنه الطريقة التي اعتدنا أن نقوم بها بأعمالنا لسنوات. إنه يشبه الشخص الذي اعتاد سلك طريق طويل للعمل يومياً، فلا ينتبه لافتتاح طريق مختصر جديد، ليس لأنه لا يراه، بل لأن خبرته السابقة تخبره أن هذا الطريق هو الأفضل، فتوقف منذ زمن طويل عن التفكير باحتمالية وجود خيارات أخرى.
لفهم جذور وأساس هذه الظاهرة نعود إلى عام 1942، في تجربة قام بها عالم النفس أبراهام لوتشينز تسمى تجربة «جرة الماء». طلب لوتشينز من المشاركين حل مسائل حسابية للوصول لكمية محددة من الماء باستخدام ثلاث علب ماء بأحجام مختلفة. في البداية، كانت المسائل تتطلب معادلة مركبة وطويلة لحلها، واعتاد المشاركون عليها وكرروها بنجاح. المفاجأة حدثت عندما أعطاهم لوتشينز مسألة جديدة يمكن حلها بطريقة بديهية ومباشرة لا تتطلب سوى خطوة واحدة، الغالبية العظمى من المشاركين استمروا في استخدام المعادلة المعقدة والطويلة التي اعتادوا عليها، وعجزوا عن رؤية الحل البسيط المباشر.
هذا يفسر لماذا يعاني الخبراء أحياناً أكثر من المبتدئين في حل المشاكل الجديدة، فالخبير يمتلك في عقله قوالب جاهزة وحلولاً سابقة ناجحة، فيلجأ إليها فوراً لتوفير الطاقة الذهنية التي يحتاج إليها البحث عن خيارات أخرى وتقييمها، مما قد يحجب عن هذا الخبير رؤية زوايا جديدة للمشكلة، بينما المبتدئ، الذي لا يملك هذه القوالب، قد ينظر للمشكلة بتجرد ويقيم الخيارات المتاحة لحل المشكلة.
لذلك فإن التحدي الحقيقي للمعرفة ليس في اكتساب المزيد منها، بل في القدرة على معرفة متى تستخدم خبرتك مباشرة، ومتى تنظر للأمور بنظرة المبتدئ لمعرفة الخيارات المتاحة لديك، لكي لا تقع بفخ حجاب الخبرة.
حجاب الخبرة
16 فبراير 2026 00:06 صباحًا
|
آخر تحديث:
16 فبراير 00:06 2026
شارك