اعتقد كارل ماركس أن التحدي الأكبر الذي يواجه الفكر البشري هو العمل على تغيير العالم، لتحقيق منظومات سياسية واقتصادية واجتماعية أكثر عدلاً، وقال عبارته الشهيرة التي شغلت المفكرين لعقود من الزمن: «لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، لكن المهم هو العمل على تغييره»، وقد حاولت العبارة أن تُعلي من شأن الممارسة والفعل العملي وعدم الاقتصار على التفسير النظري من خلال السعي إلى تحليل الواقع أو تأمله كما دأبت الفلسفة الكلاسيكية على فعله، لأنه كان يعتقد أن المهمة الأساسية للفكر تكمن في تعديل الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يجعل الأفراد والمجموعات السكانية تواجه تحديات كبرى على المستوى المعيشي. ونلاحظ في المرحلة الراهنة أن العلاقة بين التفسير والتغيير تجاوزت مستوى أفضلية عنصر على آخر، حيث إن التغييرات التي حدثت كثيراً ما كانت تتجسّد دون استكمال أهمّ شروط الفهم والتفسير.
في سياق العلاقات الدولية الراهنة، هناك أطراف تعجّلت العمل على إحداث تغييرات على مستوى موازين القوى إمّا لتحقيق مصالح أو تحسباً لفقدان مكاسب، وهناك أطراف أخرى فطنت إلى أن التغيير ليس هدفاً في حد ذاته وأن أي محاولة لتعديل الواقع يجب أن تستند، على تفسير دقيق وفهم عميق لطبيعة المرحلة، وعلى إحصاء متأنٍ لمجمل الأخطار والمكاسب المترتبة عن القرارات التي يمكن اتخاذها قبل إحداث أي تغيير. وكانت إدارة ترامب مندفعة نحو التغيير بينما كان خصومها وحلفاؤها التقليديون أكثر حرصاً على تقديم قراءات رصينة لطبيعة ما يُعرض عليها من تحوّلات.
ويشير المشهد المتعلق بالعلاقات الدولية، إلى أن هذه العلاقات لا يمكن أن تبتعد عن المبادئ المرتبطة بتعددية الأطراف، وأن أي طرف يعتقد أنه سيكون قادراً على فرض تصوراته على الآخرين، سيحصد الفشل وخيبات الأمل، لأن التحكم في التكنولوجيا العالمية لا يعني بالضرورة فرض الوصاية على الشعوب. ويذهب أوبير فيدرين، في هذا السياق، إلى أنه وكرد فعل على سياسات ترامب في ولايته الأولى، عمِل الفاعلون الدوليون لاسيما الأوروبيون، على الدفاع عن معيار العلاقات القائمة على تعددية الأطراف والأقطاب.
ويترجم هذا التقدير والاحترام الذي يحظى به هذا الشكل من العلاقات الدولية، مقدار الرفض الذي يشعر به العالم اتجاه السلوكيات والممارسات الفوضوية لترامب على المستوى الدولي، والتي لا تعبّر عن توجّه حقيقي للانعزال عن بقية العالم، ولكن عن رغبة في جعل هذا العالم يخضع لهيمنة واشنطن، خوفاً من تحوّل الصين إلى القوة العظمى الأولى في العالم، وذلك على الرغم من أن الولايات المتحدة كانت هي أول من وضع أسس النظام المتعدّد الأطراف غداة نهاية الحرب العالمية الثانية.
وعليه فإن فهم العالم وتفسيره يجعلنا نلاحظ أن الأوضاع لن تتجه أبداً نحو الأحادية القطبية على الرغم من المحاولات اليائسة لإدارة ترامب، ليس لأنها محاولات تواجه القوة الخارقة للتنين الصيني، ولكن لأن الجنوب الشامل الذي كان يقف على هامش مشهد السياسة الدولية سنة 1945، أضحى الآن من أبرز الفاعلين وأكثرهم قدرة على الموازنة بين فهم العالم ومحاولة تغييره.
ويمكننا القول أيضاً، إن النجاح الاقتصادي والدبلوماسي الذي حققته دول جنوب وجنوب- شرق آسيا، يكمن في تمسكها بخيار العلاقات المتعددة الأطراف الذي تسميه الدبلوماسية الهندية بخيار الانحياز المتعدد، لأن الصين تثير المخاوف بسبب وزنها الاقتصادي وسياساتها الإقليمية المهيمنة، أما إدارة ترامب فتقود هجوماً عنيفاً على النظام التجاري المتعدد، الأمر الذي بدأ يتسبب في أضرار كبيرة للاقتصاد العالمي. وتجد دول المنطقة نفسها مضطرة للموازنة بين علاقاتها مع بكين باعتبارها شريكاً اقتصادياً مهماً، وواشنطن بوصفها حليفاً أمنياً للكثير من دول جنوب شرق آسيا.
ومن الواضح أن إصرار الإدارة الأمريكية على «المرور بالقوة» على حساب الخصوم والحلفاء، جعل مواقف الخصوم أكثر تماسكاً، ودفع الحلفاء في أوروبا إلى إعادة قراءة وتفسير المشهد الدولي بطريقة حاذقة، قادت الاتحاد الأوروبي إلى إبرام اتفاقية لتأسيس منطقة للتبادل الحر مع الهند، كما شجّع بريطانيا على التخلي عن موقفها المتحفظ بشأن تبني سياسة دفاعية أوروبية مستقلة عن واشنطن.
العالم بين التفسير المتأني والتغيير المتسرّع
17 فبراير 2026 00:06 صباحًا
|
آخر تحديث:
17 فبراير 00:06 2026
شارك
