ما بين الريادة والإرادة

00:49 صباحا
قراءة دقيقتين

في محاولة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ل«ترطيب» الأجواء مع الأوروبيين، أرسل وزير خارجيته ماركو روبيو إلى مؤتمر ميونيخ للأمن قبل أيام. في المؤتمر السابق العام الماضي أسمع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس الأوروبيين ما أغضبهم بحديثه المتعجرف ومحاولة فرض توجه يميني متطرف على دول أوروبا وإلا أصبحت «خارج التاريخ».
هذه المرة تحدث روبيو عن أهمية أن تعيد أوروبا «بناء نفسها»، دون الذهاب بعيداً إلى حد الدعوة كي تتولى أحزاب وتيارات متطرفة السلطة. ذلك لأن أغلب تلك التيارات الأوروبية، رغم قربها من ترامب وحركة «ماغا» الأمريكية التي تدعمه لم تعد تقبل تماماً كل سياسات واشنطن، خاصة حين تعلق الأمر بالحديث عن استيلاء أمريكا على غرينلاند من الدنمارك.
رغم حديث روبيو أمام مؤتمر ميونيخ، الذي بدا دبلوماسياً إلى حد ما في لغته، إلا أن جوهر التوجه الأمريكي للإدارة الحالية يظل كما هو. وهذا ما أصبح الأوروبيون يدركونه تماماً. ولم تعد فرنسا فقط تتبنى خطاباً معترضاً على سياسات الولايات المتحدة، بل إن أغلب دول الاتحاد الأوروبي تتخذ الموقف ذاته.
ربما أكثر ما أزعج ترامب وفريقه هو اصطفاف تيارات يمينية متطرفة، مشابهة لتياره الأمريكي، مثل «حزب البديل من أجل ألمانيا» وغيره، مع حكومات دولها الأوروبية في الاعتراض على سياساته ولو بشكل أقل حدة من بقية القوى السياسية الأوروبية. كما أن بعض الدول الأوروبية، مثل بريطانيا، بدأت تعمل على سن تشريعات تمنع التمويل والدعم الأجنبي للأحزاب والقوى السياسية باعتباره تدخلاً خارجياً في أي انتخابات ديمقراطية. وتستهدف بريطانيا تحديداً وقف تمويل أمريكيين من أمثال إيلون ماسك وغيره لحزب الإصلاح الذي يقوده اليميني المتطرف نايجل فاراج.
صحيح أن حزب العمال الحاكم في بريطانيا يخشى من تقدم حزب فاراج في استطلاعات الرأي، إلا أن قانون منع التمويل قد يحظى أيضاً بدعم حزب المحافظين المعارض. خاصة أن قيادات من حزب المحافظين اليميني التقليدي بدأوا ينشقون وينضمون لحزب فاراج. ويمكن أن تتبع دول أوروبية أخرى، مثل فرنسا وألمانيا وغيرها، خطى بريطانيا في قطع قنوات الدعم الأمريكي لأحزاب وتيارات اليمين المتطرف فيها.
فهل جاء خطاب روبيو مطمئناً للأوروبيين أو مشجعاً لابتعادهم عن التوجه نحو حماية مصالحهم بعيداً عن واشنطن؟ على الأرجح أنه لم يكن كذلك.
فأهم ما قاله روبيو هو أن «أمريكا تريد قيادة بناء عالم جديد»، وطالب الأوروبيين بأن يتوحدوا خلف ذلك المسار باعتبارهم «قوة غربية مهمة».
لكن أوروبا أدركت بالفعل أنه لم يعد ممكناً الاعتماد على الولايات المتحدة كحليف «موثوق»، بعد تهديدات فرض التعريفة الجمركية ومحاولة نسف القواعد واللوائح والقوانين الأوروبية لتميكن الشركات الأمريكية، خاصة التكنولوجية الكبرى، من السوق الأوروبية دون ضوابط.
صاغ مارك روبيو خطاب بلاده في ميونيخ بالتأكيد على «الريادة» الأمريكية، إلا أن «إرادة» الأوروبيين لم تعد مجرد «تحصيل حاصل» بالنسبة لتبعيتها المطلقة للحليف الأقوى عبر الأطلسي. ومع أن الأوروبيين يقرون بريادة أمريكا، إلا أن قيادتها لبناء عالم على طريقة ترامب وفريقه ليست لمصلحة أوروبا. وبالتالي فإن الإرادة السياسية الأوروبية مقدمة على الريادة الأمريكية.
[email protected]

عن الكاتب

يشتغل في الإعلام منذ ثلاثة عقود، وعمل في الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون والصحافة الرقمية في عدد من المؤسسات الإعلامية منها البي بي سي وتلفزيون دبي وسكاي نيوز وصحيفة الخيلج. وساهم بانتظام بمقالات وتحليلات للعديد من المنشورات باللغتين العربية والإنجليزية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"