طوى مؤتمر ميونيخ للأمن دورته الثانية والستين وقد غلب عليها التوتر والانقسام، وأظهرت بصورة صريحة أن النظام الدولي الحالي لم يعد موجوداً بشكله القديم، وأن تصدع المعسكر الغربي أصبح واقعاً لن ينفع معه تجميل أو ترميم، في ظل فجوة تزداد اتساعاً بين القوى الفاعلة عبرت عنها خطابات مرتبكة عكست إدراكا عميقاً للمخاطر العالمية.
من الحقائق التي أصبحت يقيناً، بعد هذه الدورة، أن العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا تمر بحالة قلق وجودية وسط مساعٍ لإعادة صياغة التحالف وتجنب انهياره وتضرر المصالح الاستراتيجية للطرفين. ورغم قيام وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بدور «الواعظ» عبر دعوة الأوروبيين إلى أن يكونوا أقوياء لا تابعين، وترحيبه بتخلي «القارة العجوز» عن اعتمادها على «ابنتها» الولايات المتحدة في قضايا الدفاع والأمن، إلا أن المسؤولين الأوروبيين، والبريطانيين أيضاً، عبّروا عن شعور بالانكشاف والتجاوز والاصطدام بخيبة أمل استراتيجية في الحليف الأمريكي الذي يقود انقلاباً على التقاليد الراسخة بين ضفتي الأطلسي. وإزاء هذا الوضع المستجد تداعت الندءات إلى إعادة بناء العقيدة الدفاعية والسياسية الأوروبية على أسس تواكب المتغيرات المتسارعة، وهو ما عبّرت عنه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بتأكيدها أن القارة مطالبة بإعادة حساباتها الأمنية ورسم خطوط حمراء تستجيب لمصالحها الحيوية ودورها المستقبلي في عالم لم يعد كما كان.
لم يعد موضع الشك عمق المأزق الذي يواجه الاتحاد الأوروبي. وبعد أن ظلت روسيا طوال السنوات الماضية تشكل أكبر تهديد للاتحاد، وكانت الصين قوة مريبة، أصبحت الولايات المتحدة اليوم عامل إزعاج وخطراً متزايداً بالنظر إلى تصدع العلاقات الراسخة بين الطرفين وتآكل الثقة في الهياكل والتحالفات الدولية، التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي الوضع الراهن أصبحت تلك الهياكل، بما فيها الأمم المتحدة وأجهزتها، وحتى حلف «الناتو»، مفرغة من مضامينها ولم تعد تحمي أحداً بالمعنى القانوني والأمني. ومن مؤشرات ذلك دفع الأمم المتحدة إلى الإفلاس وتعمد ضرب مصداقيتها وقدرتها على تطبيق القانون الدولي، أما الأزمة، التي انفجرت في قلب «الناتو» بسبب السعي الأمريكي إلى ضم جزيرة غرينلاند الدنماركية، فقد أكدت أن هذا الحلف أصبح بحكم الميت سريرياً، ولم يتبق في عمره الكثير، وستكون الضربة القاضية إذا أقدمت إحدى الدول المؤسِسة للحلف بغزو أراضي دولة أخرى أو هددت سلامتها الوطنية. ومثل هذه الظواهر لا يمكن نزعها من سياق التدهور الدولي، الذي يشهد أيضاً سقوطاً مدوياً للأخلاق والقيم تحت زحف الأفكار الشعبوية التي يحركها مبدأ البقاء للأقوى والمقولة الميكافيلية «الغاية تبرر الوسيلة».
في ظل هذا المشهد الدولي الذي بات أقرب إلى الفوضى، يمكن الاستنتاج بأن مؤتمر ميونيخ للأمن قد أسفر عن ثلاثة مواقف، أمريكية وأوروبية وصينية، ورابع لروسيا حاضر بالغياب. وكل منها يحمل وجهة نظر تتباين أو تختلف مع المواقف الأخرى. وكان لافتاً أن الصين، التي تفضل اللعب بعيداً عن الأضواء وتمثل الشرق المتوثب على المستقبل، حاولت أن تستغل التصدع الغربي والتبرم العالمي من سياسات الهيمنة الأحادية، لتصوير نفسها كقوة استقرار تدعم نظام الأمم المتحدة والتجارة الحرة ومركز ثقل عالمي متزن. وفي ظل نظام دولي مضطرب، فإن مثل هذا الخطاب الصيني يمكن تصريفه في سوق التنافس الجيوسياسي ويسدد ضربة موجعة للمعسكر الغربي ويصيب كبرياءه في مقتل.
[email protected]