يلتقي الأفراد في حياتهم الممتدة الكثير من الناس، ومعهم يتفاعلون، يحبّون أو يتخاصمون، في البيت والمدرسة والجامعة والعمل والسفر وغيرها، لكن ليس كل من نلتقيهم يتركون في حيواتنا أثراً. لا علاقة لذلك بالضرورة بطول أو قصر مدة اللقاء بالشخص المعنيّ. صحيح أنّ اللقاءات العابرة في الحياة كثيرة جداً، تمرّ في الكثير من الحالات، بل في غالبها، مرور الكرام، وربما ننساها بسرعة فائقة، لكن ليس كل من نطيل اللقاء بهم وتجمعنا معهم طول العشرة يحدثون في النفس أثراً لا يزول، بل قد يحدث العكس، فلقاء عابر بشخص لا نعرفه مسبقاً قد يؤسس لعلاقة ممتدة، وما أكثر الزيجات أو العلاقات التي جاءت نتيجة لقاءات عابرة، دون تخطيط مسبق. إنها ابنة المصادفة وحدها.
صدّرت واحداً من أوائل كتبي، كتاب «زهرة النيلوفر» بالعبارة التالية: «إلى الذين أرادوا المرور فأقاموا»، ولعلّني بذلك عنيتُ مثل هؤلاء بالضبط، الذين لم يخطر لا على بالهم ولا على بالنا أنّ مرورهم، الذي حسبوه وحسبناه سريعاً، سيمتدّ، لنكتشف، نحن وهم، بعد حين لن يطول، أنهم أقاموا في حياتنا، لا بالمعنى الفيسيولوجي بالضرورة، أي إقامتهم بجوارنا في المكان، وإنما إقامتهم في الروح التي تمتد طويلاً، وربما تغطي العمر كله.
في الأمر جانب آخر، لا يقلّ أهمية، هو أن ذواتنا وهي تتشكل عبر الزمن ستغدو، في صورة من الصور، نتاج تفاعلنا مع من مرّوا في حياتنا، سواء أقاموا طويلاً، أو غادرونا بعد حين، حتى لو قصر. صحيح أننا من نشكّل ذواتنا في المقام الأول بالتعلّم والتدرب والطموح، لكن علينا ملاحظة أننا تعلمنا أشياء واكتسبنا صفات ومعارف من المقيمين في حياتنا والعابرين. ولو جرّب كل واحد منا أن يخصص وقتاً لمناجاة نفسه، وسؤالها عن مسار حياته، ستحضر أسماء بعينها تركت فيه من الأثر ما لا يزول. وسيدرك أنه ما كان سيكون ما هو عليه لولا هؤلاء، حتى لو انتهى الأمر بقطيعةٍ ما بصرف النظر عن سببها.
نحسب أنّ الأدب عالج هذا كثيراً، ومن ذلك ما يقع في خانة «فلاش باك» حين تستعيد شخصية روائية أو قصصية ما محطات من الحياة السابقة، التي لا يستقيم تذكرها دون تذكر الوجوه التي اقترنت بها، وتركت ما تركت من أثر في النفس احتفظت به الذاكرة، رغم علمنا بما هي عليه الذاكرة من مخاتلة وانتقائية، تدهشنا في الكثير من الحالات، وكأننا نستعيد قول أبي الطيب المتنبي: «تهدي البوارق أخلاف المياه لكم/ وللمحبّ من التذكار نيرانا»، ولربما انطبق علينا ساعتها قول محمود درويش: «أنا في حضرة الذكرى/ صدى الأشياء تنطقُ بي/ فأنطقُ».