رهيف كَسُنبلة قاطع مثل سيف..

00:46 صباحا
قراءة دقيقتين

هذا هو الوقت المناسب لقراءة عبد العزيز جاسم، القاصّ، والشاعر، والمفكّر، والصحفي، والناثر، والإنسان.. الرهيف كَسنبلة، والقاطع مثل سيف..
هذا هو الوقت المناسب، أيضاً، لمحاورة صاحب: «افتح تابوتك، وطر»، والإصغاء إليه، والجلوس بقربه لمعرفته، إذ لا يمكنك معرفة النهر، وأنت في كهف، كما لا يمكنك معرفة البحر إذا لم تكن واحداً من أبناء الشاطئ..
أوّل مجموعة شعرية أصدرها عبد العزيز كانت بعنوان «لا لزوم لي» قبل أكثر من ربع قرن في بيروت، وَيُحيل العنوان إلى ما ارتبط بالشاعر الفيلسوف الحكيم الجريء المتأمّل أبي العلاء المعرّي في ما أطلق عليه لزوم ما لا يلزم، أو لزوميات المعرّي، غير أن عنوان عبد العزيز جاسم يأخذك إلى مكان آخر غير مكان المعرّي، يأخذك إلى نفي الذات، وعزلها الفردي عن الجمع أو المجموعة..
لا لزوم لي، يعني أن لا شيء لديّ، وأنني في عزلتي وانفرادي، وأنه لا حاجة لي للآخر، ولا حاجة لي لأحد. وهي جميعاً معاني الظاهر، لا معاني الباطن. معاني القشرة لا معاني اللب، حيث يقبض عبد العزيز على مكنونه ومضمره وكينونته، لا ليراوغ، أو ليناور، أو ليتلوّن، بل يؤكد على قوّة الذات البشرية الإنسانيّة فيه، وأيضاً، ليؤكد على (لا لزوميّته) التي هي (كل اللزوم).
عرفت عبد العزيز جاسم في رأس الخيمة في عام 1985، عرفته قارئاً (منخلياً) إن جازت العبارة، إذ يغربل ما يقرأ في منخل لا يتساقط منه إلا كل ما هو جوهري، ومصفّى، ونبيل.
بدأ كاتب قصة قصيرة، وكان خياره الإبداعي وما زال قصيدة النثر. القصيدة الدرامية دائماً، قصيدة الفتك والاقتحام والقوّة، بل قصيدة العنف، إلى درجة أن لا لزوم لها، ولكن الذي يجلس بالقرب من تلك القصيدة يغشاه نعاس، فينام، ويحلم، يفتح تابوته، ويطير..
قارئ منخلي عبد العزيز جاسم، وهو أيضاً كاتب منخلي، يقرأ ببطء، ويكتب ببطء، لكن إيقاعه الذي يُسمع بحاسّة سمع أسطورية هو إيقاع سريع، لأنه في الداخل. داخله. داخل السنبلة، وداخل اللب.
إذا احتجت إلى القوّة فاقرأ عبد العزيز جاسم، وإذا احتجت إلى الكبرياء فاقرأه أيضاً، واقرأه إذا احتجت الرفق والسلام الذي يُسمّى دائماً السلام الداخلي، حيث فقط الإنسان هو مرآة ذاته.
عبد العزيز جاسم هواء طَلْق. كمنجة معلّقة على جدار في غرفة لا تشبه إلا القصيدة. وهذا هو وقته. هذا وقت مراجعة تراثه الأدبي والفكري والفلسفي ورقة ورقة. بل هذا وقت جملته الأدبية الفعلية والاسمية والجمالية. هذا وقت السنبلة والسيف في الثنائية الوجودية التي تمثلها رمزية عبد العزيز في المكان والزمان الراهنين حيث أراه يبتسم مرّتين، مرّة لأن (له اللزوم)، ومرّة لأن له الغيوم.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"