رضا السميحيين
يشتهر فريدريك نيتشه، الفيلسوف الألماني في القرن التاسع عشر، بأفكاره التي لا تزال تثير الجدل بعد أكثر من قرن، والتي كان لها بصمة واضحة على مسار الفلسفة الغربية، كانت أفكاره تعتبر ثورية وصعبة، ومن بين مفاهيمه الفكرية التي طرحها فكرة «النسيان»، والتي اعتبرها قدرةً إنسانية على البقاء، فهو يرى أن الإنسان يحتاج بالضرورة إلى أن ينسى كي يواصل العيش.
فكرة الرغبة في النسيان متداولة منذ القدم باعتبارها مرحلة أولى لتنقية الروح، في الثقافة الصينية القديمة نجد أسطورة «نهر النسيان»، حيث تقف «مينغ بو» سيدة النسيان عند النهر المعروف بـ«وانغ تشوان» لتقديم حساء يسبب فقدان الذاكرة الفوري، والفكرة بحسب معتقداتهم قائمة على حتمية أن تتخلص الأرواح من حمولة وأثقال الأحزان، أو مشاعر حياتها السابقة إلى حياتها الجديدة، كذلك الأمر يتكرر في الميثولوجيا الإغريقية والهندوسية وغيرها.
يبدو النسيان غاية منشودة لدى الكثير من الثقافات، وهنا لا تأتي من باب التهرب من الواقع أو الذكريات، ولكنه عملية مهمة يجريها الدماغ للتخلص من التذكر الفائض، فأغلبية الناس يعيشون مثقلين بما يجب ألا يحمل، من خيبات وأخطاء، وتفاصيل مشاهد من الماضي تعود كل مرة لتذكرنا بما فقدناه أو بما كان يمكن أن يكون، ومع ذلك لا يتقدم أحد إلى الأمام وهو ينظر إلى الخلف كثيراً.
نحن بحاجة لما يسمى «النسيان الصحي»، وهو عملية فلترة لما نريده أن يبقى في ذاكرتنا المستنزفة، أي بمعنى آخر هو نوع من النظافة النفسية، نمنح فيها عقولنا وذواتنا فرصة للاستراحة من الإرباك الداخلي، تماماً كما يحتاج الجسد للنوم الكافي ليستعيد طاقته، العقل أيضاً يحتاج إلى النسيان قليلاً كي يعيد توازنه، ففي بعض المواقف والأحداث يعدّ النسيان الفعل الأكثر حكمة.
اليوم أصبحنا نحمل ذاكرتنا معنا على شكل هاتف، ذاكرة تختزن كميات هائلة من الصور والمحادثات والرسائل، دوامة هائلة من الذكريات، تقفز أمامك لتذكرك بأشياء مضت وانتهت، وأشياء في الأصل لا ترغب في تذكرها، ولكن التكنولوجيا تفرض عليك الذكرى.
هل فقدنا عفوية النسيان فلم تعد الأيام كفيلة بالنسيان؟ ولعل جزءاً من تعبنا النفسي الراهن سببه هذه «الذاكرة الدائمة» التي لا تتركنا نعيش اللحظة الجديدة دون أن تجرنا إلى القديمة، نحن بحاجة إلى النسيان الصحي لنقول، هذا الحدث انتهى، وهذه الذكرى أدت دورها، فالحياة لا تنتظر من يفتش في أرشيفه كل حين، وحتى القلب، في نهاية المطاف، لا يشفى إلا حين ينسى، فالحياة، كما كان نيتشه يرى، لا تحتمل دون شجاعة النسيان.