صلاة التراويح

نبض
02:46 صباحا
قراءة دقيقتين

حصة سيف

نجحت إماراتنا الحبيبة عبر سنوات طويلة في الجمع بين الحداثة والهوية، لا يبدو المشهد الرمضاني تفصيلاً عابراً في الذاكرة الجماعية، بل هو جزء أصيل من صورة مدينة تعرف كيف تُظهر شخصيتها بثقة وهدوء. هناك، ما زالت أصوات المساجد حاضرة في الفضاء العام، ويكتمل المشهد بإطلاق مدافع الإفطار، في محاولة واعية لأن يصل الصوت كما اعتاده الناس، لا بوصفه مجرد إعلان للوقت، بل باعتباره طقساً اجتماعياً وثقافياً يعيد ترتيب إيقاع اليوم ويمنح اللحظة معناها.
مدننا تتوشح هذه الأيام بالثقافة الدينية، تصدح أصوات الصلاة لتشق عباب الحياة اليومية، وبالأخص في صلاة التراويح، حيث يحرص المصلّون على قصد مساجد بعينها لما تتميّز به من أصوات أئمة شجية، تذكّر بخشوعها بأجواء الحرمين. هناك، لا تتحول المظاهر الدينية إلى عبء على الحياة العامة، بل إلى عنصر تنظيم لها، يبعث على الطمأنينة، ويمنح الشارع قدراً من الانضباط الهادئ الذي ينعكس حتى على تراجع كثير من السلوكيات السلبية، كما يرسّخ هوية المكان في ذاكرة سكانه وزوّاره.
سماع صوت الأذان والصلاة معاً في الأحياء السكنية ليس مسألة صوتية عابرة، ولا مجرد عادة قديمة، بل هو جزء من «البيئة الرمضانية» التي تصنع الفرق بين شهر عادي وشهر له خصوصيته. الصوت الذي يملأ المكان، وخصوصاً في صلاة التراويح، يخلق إحساساً مشتركاً بالوقت، ويشعر الناس بأنهم يعيشون موسماً مختلفاً، له روحانياته ونظامه الخاص. في منطقتنا، يأتي رمضان لأول مرة من دون أن نسمع صوت صلاة التراويح يملأ الأجواء. قد يبدو الأمر إدارياً أو تنظيمياً في ظاهره، لكنه في الواقع أحدث فراغاً ملموساً في المشهد اليومي. الشوارع هي ذاتها، والمساجد في أماكنها، لكن شيئاً من السكينة العامة التي كانت ترافق تلك اللحظة غاب. ليس لأن الناس لا يصلّون، بل لأن الإشارة الصوتية التي كانت توحّد الإحساس بروحانية رمضان اختفت.
الحديث هنا لا ينطلق من زاوية عاطفية فقط، بل من منظور اجتماعي وثقافي أيضاً. فالمدن لا تُدار بالقوانين وحدها، بل تُبنى كذلك بالإشارات الرمزية التي تحفظ توازنها وتماسكها. وصوت صلاة التراويح، في مجتمعاتنا، واحد من هذه الإشارات التي تعطي المكان هويته من دون ضجيج أو استعراض.
ومن هنا، يبدو الرجاء مشروعاً بأن يُعاد النظر في قرار إغلاق مكبرات الصوت أثناء الصلاة في منطقتنا، خصوصاً في هذا الشهر الفضيل، وبالأخص فيما يتعلّق بصوت صلاة التراويح. فإعادة صوت الصلاة إلى المساجد في الأحياء السكنية، يحافظ على توازن نجحنا فيه طويلاً مدينة حديثة، تعرف كيف تنظّم نفسها، من دون أن تتنازل عن ملامحها التي تعطيها روحها.
[email protected]

عن الكاتب

إعلامية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"