لم يكد العالم يحاول التأقلم مع السياسة الحمائية والانعزالية التجارية الأمريكية بعد فرض إدارة الرئيس دونالد ترامب تعريفة جمركية على كل شركاء بلاده حتى جاءت هزة قضائية أعادت الأسواق والشركات والمستثمرين إلى حالة «عدم يقين» جديدة.
فقرار المحكمة العليا بإلغاء التعريفة الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب استناداً إلى قانون طوارئ أعيد إحياؤه بعد أكثر من نصف قرن جدد حالة الاضطراب العالمي بشأن التعامل مع الولايات المتحدة. فعلى الفور استخدم الرئيس ترامب صلاحيات أخرى ليفرض تعريفة جمركية جديدة على دول العالم، بل وأعلن رداً على حكم المحكمة أنه سيستخدم صلاحيات أخرى للسلطة التنفيذية لفرض المزيد من الرسوم على شركاء أمريكا التجاريين.
المشكلة أن التعريفة الجديدة تسمح بها صلاحيات الرئيس لمدة خمسة أشهر فقط وبحد أقصى خمسة عشر في المئة، وهو ما أعلنه بالفعل. ولا يعرف بعد إن كان سيلجأ لتجديد تلك الرسوم بعد تلك الأشهر أم لا. كما أن حكم المحكمة العليا يعني أن تعيد الحكومة الأمريكية ما حصلته من عائدات التعريفة الجمركية التي قضت بأنها غير قانونية، وهو ما يصل إلى مئة وسبعين مليار دولار. ولا يعرف أيضاً إن كانت الشركات والدول ستحصل على ما دفعته من رسوم أم لا.
فمن المؤكد أن إدارة ترامب لن تتراجع عن سياساتها الحمائية بفرض التعريفة الجمركية والرسوم الأخرى، حتى على الرغم من أنها لم تؤد إلى خفض عجز الميزان التجاري الأمريكي مع العالم.
المهم أن حكم المحكمة الدستورية العليا يعد مؤشراً على أن المؤسسات الأمريكية لم تعد تصمت على سياسات ترامب التي تتجاهل السلطة التشريعية وحتى القضائية. فمنذ عودته إلى البيت الأبيض مطلع العام الماضي يستخدم الرئيس ترامب الأوامر التنفيذية لتمرير سياساته دون الحاجة لموافقة نواب الشعب في الكونغرس. أي ببساطة يحكم من خلال «فرمانات» رئاسية.
كثيرون اعتبروا قرار المحكمة العليا أول تحد حقيقي لما يرونه تجاوزات من قبل الرئيس ترامب لقواعد الحكم الديمقراطي ودولة المؤسسات. وما يعطي قرار المحكمة العليا أهمية أكبر أن حوالي نصف أعضائها معينون من قبل ترامب في فترة رئاسته الأولى، مع ذلك لم يصوت ضد الحكم سوى ثلاثة ممن عينهم بينما صوت اثنان لصالح القرار.
إذا كان العالم سيدخل في فترة عدم يقين واضطراب جديدة فإن إدارة الرئيس ترامب لن تسلم من تبعات هذه التطورات الأخيرة. ربما تحاول تأكيد سياساتها باستخدام صلاحيات تنفيذية أخرى للاستمرار في السياسات الحمائية. لكن بما أن تلك السياسات لم تفلح منذ العام الماضي في تحسين أحوال الأمريكيين المعيشية فهناك ثمن سياسي ستدفعه الإدارة الأمريكية في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر القادم.
مع قرب انتخابات التجديد النصفي يجد نواب الحزب الجمهوري أنفسهم في وضع مقلق جداً بسبب استمرار زيادة كلفة المعيشة على المواطنين الذين يصوتون على أساس ظروفهم المعيشية ولا يعبأون بسياسة خارجية، تجارية أو أمنية، ما لم تمس حياتهم اليومية.
الاحتمال الأخطر أن يؤدي الاضطراب الحالي إلى عودة معدلات التضخم للارتفاع، وهذا ما سيعني أن الحزب الجمهوري يمكن أن يخسر الأغلبية البسيطة التي يتمتع بها في مجلس النواب بالكونغرس. وفي حال فاز الديمقراطيون بأغلبية، ولو بسيطة في الكونغرس، فإن بإمكانهم عرقة الكثير من سياسات إدارة ترامب في نصف المدة المتبقية لها، وهنا يكتسب قرار المحكمة العليا بشأن التعريفة الجمركية أهمية أخرى لأنه يعني أن الرئيس ترامب لن يكون بمقدوره تجاهل الكونجرس والالتفاف عليه بالأوامر التنفيذية.
هذا بالنسبة لأمريكا وتبعات الحكم وقرارات ترامب الأخيرة على الداخل الأمريكي. أما بالنسبة للعالم، فالمتوقع في الأشهر المتبقية على انتخابات التجديد النصفي أن يستمر الرئيس ترامب في تحديه للسلطتين التشريعية والقضائية. ويعني ذلك أن العالم سيظل واقفاً على أطراف أصابعه ينتظر ما يصدره ترامب من قرارات.

[email protected]