د. صلاح الغول

في تغريدة على منصة إكس، قال الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة: «الحمد لله على نعمة العقل، وعفة اللسان، والعدل عند الخصومة، والسمو عند الاختلاف».
ولعل كان في ذهنه حين صاغ تغريدته الرصينة الحملات التي تشنها مجموعات ذباب إلكتروني على دولة الإمارات العربية المتحدة. ويسعى كاتب هذه السطور إلى الاشتباك مع هذه الظاهرة الطفيلية، والتعرض لبضاعتها المُزجاة التي تروج لها في الفضاء الالكتروني فيما يتصل بدولة الإمارات، وقيادتها الرشيدة، وسياستها الخارجية، وغيرها.
وقد برز مصطلح الذباب الإلكتروني في السنوات الأخيرة لوصف شبكات منظمة من الحسابات الوهمية أو الموجّهة، التي تُستخدم للتأثير على الرأي العام عبر الفضاء الرقمي. ولا يقتصر نشاط هذه الظاهرة على الترويج السياسي أو الأيديولوجي، بل يتجاوز ذلك إلى حملات تشويه ممنهجة تستهدف دولاً بعينها، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، في سياق صراعات إقليمية وحروب سرديات متشابكة.
وتعمل مجموعات الذباب الإلكتروني بتنسيق واضح، وتدير عدداً من الحسابات الرقمية التي غالباً ما تكون إما آلية (Bots) تُدار ببرمجيات لإعادة النشر والتعليق المكثف، أو بشرية موجّهة تعمل وفق تعليمات مسبقة وأجندات محددة. وتعتمد هذه الحسابات على خلق انطباع زائف بوجود رأي عام واسع، من خلال التكرار، والانتشار السريع، واستغلال خوارزميات المنصات الرقمية.
وتحمل حسابات مجموعة الذباب الالكتروني بضاعةً مزجاة، عبارة عن محتوى رديء معرفياً ومنخفض مهنياً، ويفتقر إلى الأدلة الموثوقة. ويعتمد هذا المحتوى على الشائعات غير الموثقة، واجتزاء التصريحات من سياقها، وتوظيف صور أو مقاطع قديمة على أنها أحداث راهنة، واستخدام لغة انفعالية أو تحريضية بدل التحليل الموضوعي، بل وتوظيف الدين والقومية وكل القيم العليا بطريقةٍ منحرفة.
والواقع أنّ هذا النوع من المحتوى لا يهدف إلى الإقناع العقلاني، بل إلى إثارة الشك، وبناء صورة ذهنية سلبية عبر التراكم الكمي لا النوعي. وفي هذا الخصوص، تقدم مجموعات الذباب الإلكتروني جوائز قيّمة لمن يبيع بضاعتها المُزجاة مراراً وتكراراً لأكبر عدد ممكن من المستهلكين الإلكترونيين، وخاصة فئات النساء والشباب والناشئة.
وعن طريق استقراء حملات الذباب الإلكتروني المسيئة للإمارات، نجد أنها تعتمد على عدة آليات متكررة، من أبرزها: التشكيك في السياسات الخارجية عبر تصويرها بوصفها تدخلية أو انتهازية، مع تجاهل السياق الإقليمي المعقّد. كما تعتمد هذه الحملات على تشويه الدور الإنساني والتنموي لدولة الإمارات في المنطقة والعالم، من خلال قلب الوقائع أو إنكار البيانات الصادرة عن منظمات دولية ذات مصداقية عالية المستوى. علاوة على ذلك، تربط هذه الحسابات دولة الإمارات بكافة الصراعات والأزمات الإقليمية بصورة تبسيطية تفتقر للتحليل الجيوسياسي، وبما يعني أنها «حصان طروادة» لإسرائيل أو الولايات المتحدة لنشر الفساد والصراعات والتفكيك في البلاد العربية. كما يتم استخدام الوسوم الموجهة من جانب أصحاب حسابات الذباب الالكتروني لضمان انتشار الرسائل السلبية وتصدرها النقاشات الرقمية.
ولكن ما هي الدوافع الكامنة وراء هذه الحملات. واقع الأمر، لا يمكن فصل نشاط الذباب الإلكتروني عن تنافسات إقليمية تسعى فيها أطراف معينة إلى إضعاف صورة الإمارات كفاعل إقليمي مؤثر، ونموذج تنموي مزدهر وجاذب للاستثمارات الأجنبية. كما لا يمكن فصل هذه الحملات عن صراعات أيديولوجية مع نموذج الدولة الوطنية المستقرة والمنفتحة اقتصادياً، الذي تمثله الإمارات، وخاصة من جانب جماعة الإخوان المسلمين «الإرهابية»، ومن شايعها وناصرها في الفضاء الرقمي.
وعليه، فإن الإساءة لا تُقرأ باعتبارها نقداً سياسياً مشروعاً، بل كجزء من حرب معلومات تستهدف السمعة والمكانة.
وعلى الرغم من الضجيج الرقمي الذي تصنعه حملات الذباب الالكتروني وبضاعته المزجاة، فإن تأثيرها الفعلي يظل محدوداً لعدة أسباب، أهمها- حصانة الجبهة الداخلية والثقة البالغة بين الحاكم والمحكوم في دولة الإمارات، وتزايد وعي المستخدم العربي بآليات التضليل الرقمي، وسهولة كشف الحسابات الوهمية وتكرار خطابها. والأهم من ذلك، ثمة تناقض واضح صارخ بين السرديات المروَّجة من قبل مجموعات الذباب في الفضاء الرقمي والواقع الاقتصادي والسياسي الملموس في دولة الإمارات، دولة مزدهرة اقتصادياً، متكامل اقتصادها مع الاقتصاد العالمي ومتشابك معه بطريقة وثيقة، ومتعددة ثقافياً، ومستقرة سياسياً.
والخلاصة أنّ الذباب الإلكتروني يمثل ظاهرة عابرة للحدود، لكن خطورته الحقيقية لا تكمن في كثافته، بل في محاولته تزييف الوعي عبر «بضاعة مزجاة» لا تصمد أمام الفحص النقدي، أو الأحوال الواقعية. وفي حالة دولة الإمارات، تكشف هذه الحملات عن حجم الاستهداف الذي يتناسب طردياً مع ثقل الدولة الإقليمي والدولي، وتنامي دورها بخاصة في مكافحة الإرهاب والتطرف بكافة أنماطه وأشكاله، وخاصة التطرف الإخواني عابر الحدود والقارات. ومن ثم، فإن المواجهة الأكثر فاعلية لا تكون بالضجيج المضاد، بل بترسيخ الخطاب العقلاني، والشفافية، وتعزيز الثقافة الرقمية النقدية، والتأكيد على رسم الصورة الإيجابية للمواطن الإماراتي، كما يريدها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والإمارات من رذاذ الذباب الالكتروني وسموم بضاعته المزجاة.

[email protected]