لم يعد العالم كما كان، خاصة فيما يتعلق بالجانب القيمي، فقد تغيرت فيه، ثوابت ومعايير كثيرة، تغيرات حادة أطاحت بكل جوانب الفلسفة والجغرافيا، وبالعلاقات الإنسانية والمعرفة السياسية. وثمة أزمة معنى يدور حولها جدل كبير في أوساط علم الاجتماع الغربي تنبت من شعور الإنسان المعاصر بالتعاسة والتوتر، رغم إشباع كل احتياجاته المادية إلى درجة لم تتحقق في أي حقبة تاريخية سابقة، حيث أضحت أحلام الأمس، وربما ما لم يحلم به الإنسان يوماً، حقائق ملموسة، ومن ثم فهي أزمة وجودية فلسفية اجتماعية.
وبهذا الشأن فقد نظمت، في فرنسا، ندوة فكرية بعنوان «رؤية العالم»، بعد وفاة الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير، الذي جعل من الفلسفة طريقة نضال من أجل مجتمع جديد، ويرى أن التكنولوجيا غيّرت من تصورنا للمكان والزمان، وقال عنه الرئيس الفرنسي ماكرون: «سعى طوال حياته إلى إنارة حياة الأمة الفرنسية»، وقد شارك في الندوة كبار فلاسفة التنوير والأنثروبولوجيا الفلسفية، حيث تناولوا نظريات حول الطبيعة البشرية، وماهيتها وكنهها. والهدف من هذه الندوة إعداد مشروع يهدف إلى تشكيل عالم جديد للإنسان وفق منهجية المقارنة المنتظمة بين الثقافات البشرية، تمثل رؤية العالم استعمالاً فلسفياً حديثاً مماثلاً له عبر تشكل الحضارة الغربية من خلال الأبحاث والنظريات التي تركز على فهم طبيعة الكون، والرؤية المكانية للعالم، والهيمنة المطلقة للعقل لكشف ظواهر العالم وتفسيره، ومعرفة رؤية تلك المقاربات الفلسفية لنظرية العلاقة الكونية بالإنسان، ومقارنتها بما تقرر لدى الفلاسفة تجاه الكون وواجباته، حيث لا يمكن الفصل بين المعرفة والسياسة، لأن المعرفة هي التي قادت الإنسان نحو تكوين المجتمعات والدول، ومن ثم التحالفات الأكبر فكرياً وعقدياً وعرقياً، وسوى ذلك من التحالفات، وهي التي أدت إلى ظهور كل هذا التقدم التكنولوجي الذي نعيشه اليوم.
وإذا كان من الصعب تحديد الزمن الذي بدأ فيه الإنسان بالتفكير وكتابة وتدوين الأفكار، لكن يمكن اعتبار اليونان القديمة مهد العلوم، خاصة العلوم الفلسفية والرياضية والمنطقية، ففي هذه البقعة من العالم تجلّت المعرفة بأوسع صورها، وتعاظمت في شكل نظريات وأفكار فلسفية ورياضية، وضعها فلاسفة عظام أسسوا قواعد الفلسفة، وعلماء بالمنطق الرياضي.
ويُعد «إيمانويل كانط» من أعظم الفلاسفة الذين يعدون امتداداً لتلك المدرسة، ويمثل كتابه «نقد العقل الخالص» أرقى ما وصل إليه العقل البشري في فهم الوجود. وقد وجد ذلك الفكر الفلسفي الواسع طريقه إلى التطبيق العملي، من خلال ما يسمى العلم التجريبي الذي بدأ به العلماء الأولون، والذي يعني وضع النظرية الفلسفية موضع التطبيق، ما أدى إلى ظهور النهضة الصناعية، التي تسارعت خطواتها حتى أدت إلى تغيير العالم بشكل كامل، ومهّدت الطريق لما أصبحنا نعيشه اليوم من تطور علمي وفكري وفلسفي، في عصر الجينات والإلكترونات والفضاء، وأصبحت الدول المختلفة تتسابق للدخول في هذا الحقل العلمي الواسع الذي يفتح آفاقاً جديدة، لحدوث تطورات لم تكن يوماً في مدى نطاق العقل الإنساني.
غير أن تقدم الوجه العملي للفلسفة قد أدى إلى انكفاء الوجه النظري، ولم نعد نسمع عن نظريات فلسفية جديدة سوى بعض النظريات التي تدور حول مفاهيم سياسية، مثل نظرية «نهاية التاريخ» لفوكوياما، ونظرية «صدام الحضارات» لهنتنغتون، أو نظرية «المليار الذهبي»، وكلها نظريات فلسفية ترمي إلى تحقيق هدف واحد هو استمرار تفوق الغرب على العالم لامتلاكه ناصية العلم، بإبداعاته المختلفة قد تولى البرهنة على ذلك وأنتج أدوات وآلات وأجهزة غاية في الدقة والمصداقية، فمثلاً جهاز الهاتف المحمول، يختصر مشاريع علمية كثيرة، احتاج البشر مئات، بل آلاف السنين، إلى إخراجها في هذا الشكل الأنيق الخفيف. فهذا الجهاز ليس وسيلة اتصال فقط، بل هو، إضافة إلى ذلك، وسيلة لقراءة الأخبار والاطلاع على كل ما يريده الإنسان من علم ومعرفة، وهو أيضاً مترجم وآلة حاسبة وساعة رقمية وجهاز لتحديد المواقع. وهذا فقط نموذج عن الإبداعات التي حصل عليها البشر من وراء الفلسفة.
في الواقع إن الفلسفة التي ظهرت نتيجة تفكير الإنسان بالوجود والكون من حوله، هي الآن في مرحلة كمون، ولكن الآن فلاسفة أوروبا يفكرون في فكر فلسفي جديد يستلهم ما قد يحدث في المستقبل البعيد من أحداث، لكن كيف سيكون شكل هذا الفكر الفلسفي؟! سيبقى هذا الشكل لغزاً مطروحاً، لكن لا يمكن للعلم أن يستمر من دون وجود مدرسة فكرية تسنده، وهذه المدرسة الفكرية هي الآن مشغولة بتطبيقات العلم في مختلف المجالات، فالعلماء الذين يفكرون في تطوير الدواء لمعالجة أخطر الأمراض، والعلماء الذين يتابعون تطوير الذكاء الاصطناعي للوصول به إلى مراحل غير معقولة، والعلماء الذين يبحثون في مكونات الخلية، وغيرهم الكثيرون، كل هؤلاء فلاسفة، لأن المنطق هو الطريق الذي يسلكونه للنجاح، وهو ذات الطريق الذي سلكه الفلاسفة الأولون.

[email protected]