د. نسيم الخوري
تبدّت هذه المسألة الشديدة التعقيد التي تخلط بين الثقافات والحضارات في عصر رقمي مشرّع بل مخلّع النوافذ والأبواب والحدود من المسائل المعقّدة التي شغلتنا سنوات من المناقشات الطويلة. تجد نفسك في عصر تنبسط أمامك أطباق البشرية بكلّ ما تحمله أسئلة الأجيال الرقمية من حولك وأحلامها المُقيمة في الشاشات لمناقشة الثقافات، بحثاً في الهويات البشرية حيث الأفكار الرخوة الهائمة والبالغة التعقيد تتدفق حتى التهور في توصيف المستقبل ومخاطره.
لسنا ندّعي حلولاً منطقيّة لهذه المسائل، لكنّنا وقّعنا على وجهها المظلم في ضوء العصر الجديد الذي نكابد أقصى الصعوبات فيه للتمييز الجديد بين الثقافة والحضارة في عصر العولمة الفضائية التي لا كوابح لها بعد.
كانت الحضارة على ارتباط وثيق بشيوع المدنية إثر نشوء الدول وتفاعل ثقافاتها. نجد أنفسنا منصاعين للاعتراف بالاختلاط المعقّد بين الحضارة والثقافة، بعدما راحت نرفع الأغطية السميكة عن الشعوب والأوطان بفضل تقنيات التواصل الفضائية اليسيرة. إنّنا في عصر من التحديات الثقافية الزئبقية المتدفقة عبر الشاشات المتنوّعة التي تعرّي الحضارات وتنسف العلاقات حتى العائلية من أطرها التقليدية بحثاً عن مسارات جديدة جاذبة للأجيال. نعم تخرج الأجيال عاريةً لتلقّحها الرياح العالمية مهما حاولنا التشبّث بخصوصياتنا. إنّ تشبّث شعب بثقافته وتاريخه أو عظمته ومحاولة التأكيد الفولاذي على هويته وثقافته الخاصة هو استراتيجية لا تستدعي سوى المخاطر التي تقود غالباً نحو الانتحار أو الاندثار.
تبدو شعوب العالم محكومة متزاحمة قطعاً بمقتضيات العولمة، للمزيد من الانفتاح والتحديث والتجديد والمعاصرة وفتح النوافذ والأذهان لثقافاتها جنباً إلى جنب مع ثقافات العالم الأخرى والاختلاط بها، وإلا فإنّها ستبقى مهدّدة بفقدان حضورها للتأثير والتغيير، سواء في حيّزها الضيّق أو عبر هبوب رياح الثقافات العالمية.
وهذا ما يورث التراجع والصراعات المُتحجّرة والانحطاط بدلاً من سلوك الطريق الأسهل للانخراط بالحضارات العالمية. ليس هناك من شعوب لا تتطلّع إلى العالمية في هذا العصر، مع أنّ الوصول إليها قد يختلف من دولةٍ إلى أخرى وفق تمتّع أنظمتها بشهوة الانفتاح التي ترفعها من الصراعات الضيقة، محلية كانت أو إقليمية، توخيّاً للانخراط في إنتاج الحضارات واستهلاكها حتى تتميّز بعالميتها.
لا يقودنا الخلط قطعاً بين الحضارة والثقافة إلى الإقرار بالمساواة بين المصطلحين، لأنّ الحضارة ليست مستوعباً جاهزاً للأفكار والعادات والقيم المتنوعة الهائلة التي تختزنها أو يتبادلها أبناء الثقافات في الشاشات. هناك إشكالية أكبر تدفعنا لإعادة النظر بمضامين الكثير من المصطلحات والاستراتيجيات والسياسات وآثارها، خصوصاً في بيوتنا ومدارسنا والجامعات والأجيال التي تسبق الجدود. لا أجازف بالإشارة إلى أنّ الثقافات تتقدّم وتنتشر عبر رياح العالم الفضائي الافتراضي مقابل تراجع الحضارات والأفكار التقليدية وأفول أثقالها القديمة. باتت المظاهر الثقافية حامية بل حاملة لبقايا الحضارات بدلاً من أن يكون الأمر، كما عهدنا عبر التاريخ، عكس ذلك حيث تحمل الحضارات الثقافات بأبعادها المتجدّدة بهدف تأمين ديمومتها وحضورها من دون خسارة مصالحها وتقدمها في العالم.
نلحظ، تدليلاً على ذلك، في العقدين الأخيرين نوعاً من النقد اليومي العام والقاسي لكلّ ما يعرف أو له علاقة بالمجتمع الدولي أو الأسرة الدولية أو الحضارة الدولية. هناك دعوات يومية في بقاع الأرض، لإصلاح الكوارث في دور المؤسسات الدولية والأمم المتّحدة ومجلس الأمن، لكأننا على أبواب عالم تميل فيه كبريات الدول في أوروبا اليوم إلى معاينة أسس حضاراتها أو الحضارة بشكلٍ عام فتتراجع تباعاً نحو القوميات الضيّقة ومعضلاتها القديمة، خلافاً لعصر الفضاء الذي تجد مفاتيحه بين أصابع الأجيال الرقمية.
قد يوحي المستقبل المسكون أمامنا بالتغيير والكشف عن عالم بحاجة دائمة إلى الكشف، إلى أنّ الثقافات مهما كانت معاييرها ومرتكزاتها فهي تتدفق، وليس هناك من وقت أو توقّف أو جدل عقيم وبحث طويل عن مصطلحات أو أزمنة قديمة وأفكار جامدة لدى مقاربة تسابق الحضارات بوصفها حاجة إنسانية ودولية خاصة، بل بكونها ظاهرة عالمية تلاصق الطبيعة البشرية تبدو مسكونة بالكشف عن عالم بحاجة دائمة إلى الكشف.