قيل إن المعدة قد تكون أصدق من العقل، فمعدتك حين تكون فارغة ستقول لك أنا فارغة وبحاجة إلى طعام، بينما عقلك إذا كان «فارغاً»! سيقول لك: أنت أذكى وأفضل شخص في الدنيا.
ورغم أن هذا الكلام لا صحة له علمياً، فهو يقال من باب المجاز والفكاهة، ولكن لطالما يدهشنا هذا التفاوت بين الأمانة البيولوجية للمعدة والمراوغة الفلسفية للعقل، فالمعدة على ما فيها من بداهة وغرائزية لا تعرف التزييف، فهي مقياس الإنسان الحقيقي الذي لا يمكنه الصمود أمام شعور الجوع، أما العقل، فهو أمهر الممثلين، يمكنه أن يقنعك أنك بخير، وأنت غارق في التشتت، وأنك تفهم، وأنت تردد ما لا تعي وأنك «مفكر حر»، وأنت فعلياً أسير لأفكار مختلفة تقيدك.
في شهر رمضان المبارك، وفي الصيام تظهر لنا المفارقة ذاتها بين صدق المعدة ومراوغة العقل بصورة أوضح، فالمعدة في نهار الصيام تبعث إشارات الجوع والعطش، لكنها في الوقت ذاته تعلم صاحبها الصبر وضبط الرغبات وتأجيل الاستجابة للغرائز، هنا يتبين أن الجسد يمكن تهذيبه بإرادة واعية، وأن الجوع أحياناً وسيلة تربية وتصفية، إذ إن الفكرة الأعمق للصيام هي أن يتزامن خلو المعدة من الطعام مع محاولة ملء العقل والروح بالمعنى والوعي.
في تاريخ الإنسان، ربما كانت المعدة أول دافع للحضارة، فالجوع هو الذي دفعه ليزرع ويبحث عن الماء، ويحمي حقله ومسكنه من الطامعين، والغذاء هو الذي قاده إلى الاستقرار وترك الترحال، لينشئ المدن الحضارية ذات الطابع المدني، ثم بعد ذلك جاءت الفكرة من العقل لاحقاً، فصاغت القوانين والمعاني والقصص والأساطير، وهكذا بدأت الحضارات من حبة قمح، زرعها الإنسان وصنع منها رغيفاً ساخناً على ناره البدائية، قبل أن تبدأ الأفكار الفلسفية أو الكتب الفكرية، فلو تأخرت الزراعة لتأخر الفكر، ولو لم يهدأ جوع المعدة، لما وجد أحد فسحة من الوقت والبال ليكتب الشعر أو يخط الفلسفة أو يبني نظريات في الجمال والعدل والوجود.
ليس الجسد وحده هو الذي يحتاج إلى غذاء ليبقى حياً قادراً على أداء مهامه، فالعقل بدوره يحتاج إلى ما يغذيه ليبقى صحيحاً ومنتجاً ومتفاعلاً مع الحياة، فالعقل يجب تزويده بين الفينة والأخرى بأفكار جديدة، وبقراءة متنوعة وجادة فكرياً وروحانياً، ليكون قادراً على المراجعة والابتكار والتطوير، لذلك يصبح طلب المعرفة نوعاً من المسؤولية الأخلاقية تجاه أنفسنا، حتى يعتاد العقل على هذا النمط من التغذية الفكرية، ليصبح أكثر قدرة على الفهم، لا ينخدع بوهم التفوق أو الامتلاء الكاذب.