ما تزال الفنون الإسلامية وبالأخص ما يتصل منها بالخط العربي من الفنون الملهمة لكافة الخطاطين العرب والمسلمين في كافة أرجاء المعمورة، وحين نتحدث عن الخط العربي، فنحن نتحدث عن باقة متنوعة من الخطوط المعروفة من بينها (الرقعة)، وهذا الأخير يعتبر من الخطوط التي تتميز بالبساطة وسرعة الكتابة وقصر امتدادات حروفه وسهولة قراءتها.
من الخطاطات العربيات اللواتي أبدعن في خط الرقعة، يرد ذكر اسم السعودية أزهار الصادق التي نفذت لوحة أسرة باستخدامها عبارتي «يا رحمن» و«يا رحيم» وهما من العبارات الدينية المحببة عند المسلمين، وقد روي أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، كان يردد هاتين العبارتين، فالرحمن هو الرزاق في الدنيا، والرحيم هو المعافي في الآخرة، والعفو في الآخرة هنا، هو موجه للمؤمنين على وجه الخصوص.
وواضح من خلال اختيار الفنانة أزهار الصادق لهذه اللوحة ما تعززه من فكرة رئيسية تقوم على إبراز المعنى الروحي والوحدة الداخلية للإنسان من خلال توظيفها خط الرقعة داخل شكل دائري تتوسطه زخرفة رمزية.
تكوين
قامت الخطاطة أزهار بتكوين لوحة خطية تتضمن العبارتين السابقتين، من خلال جزأين: الأول، خط عبارة «يا رحمن» التي توسطت اللوحة وظهرت هذه العبارة مكررة ثماني مرات وبالخط الأسود، وبحجم صغير، تدور حول كتلة زخرفية جميلة، أما الجزء الثاني فيحوط الجزء الأول ويكرر عبارة «يا رحيم» التي ظهرت باللون الأحمر وبخط أسمك وأكبر حجماً، ومكرراً كذلك ثماني مرات.
حرصت أزهار على تقديم تكوين دائري (شعاعي) في مركز اللوحة، يتشكل من زخرفة هندسية نباتية تشبه الشمس أو الزهرة، وهذه الزخرفة تشكل نقطة الارتكاز البصري لهذه اللوحة، فيما تحيط النصوص بالمركز في حركة دائرية منتظمة ما يولد إحساساً بالاستمرارية أو الانسجام الروحي، وهذا التكوين كان مقصوداً من قبل الفنانة أزهار، فهو يوحي بأن المعنى ينبع من المركز وينتشر إلى الخارج.
التوازن
لم يكن لهذه اللوحة أن تكتمل من دون ذلك التوازن الظاهر في اللوحة، وهو توازن أقرب إلى الدائري أو الشعاعي، ومن ينظر إلى اللوحة بتمعن، يلحظ راحة بصرية مدهشة، فليس ثمة ثقل يتعب العين وهي تتابع هذا الشكل الفني المبهر من الناحية البصرية، ومن أي جهة كانت، كما كان توزيع الكلمات في اللوحة متساوياً حول المركز، فاللون الأحمر الخارجي يوازن بصرياً الزخرفة المركزية الملونة، كذلك الأمر بالنسبة للون الأسود في عبارة «يا رحمن» من هنا، فإن عين المشاهد سوف تشعر بالراحة الفائقة وهي تتابع توازناً دينامياً وليس جامداً وذلك راجع لحركة الحروف واتجاهاتها.
الحركة والإيقاع
من يدقق في اللوحة، يلاحظ أن حركة العين تبدأ من الزخرفة المركزية، ثم تنتقل تدريجياً مع دوران النص، كما أن تكرار شكل الحروف واتجاهاتها يخلق إيقاعاً بصرياً هادئاً، ومن جهة ثانية فإن الانحناءات المتكررة في شكل الحروف تولد إحساساً بالدوران والتسبيح، وقد كان لاستخدام الألوان دوره في تحقيق هذا الانسجام، فالأزرق والذهبي الحركي في الكتلة الزخرفية في المنتصف ذوا دلالة مقصودة، الأزرق هنا، يوحي بالهدوء والسكينة، والذهبي يولد إحساساً بالقدسية والنور والقيمة الفكرية العميقة، أما خلفية اللوحة فشكلتها أزهار الصادق باستخدام اللون البيج، وهي خلفية محايدة ومريحة للعين، وهي تشبه الورق القديم ما يضيف إلى اللوحة طابعاً تراثياً يذكر بالتراث الإسلامي العريق، هذا الانسجام اللوني مع براعة التكوين والتوازن عبر عن الوحدة الروحية والانسجام الداخلي وأن الجمال الحقيقي ينبع من التوازن بين المعنى والشكل.
إضاءة
أزهار الصادق خطاطة وفنانة زخرفة سعودية، تلقت دورات تدريبية في الخط العربي وتخصصت في خط الرقعة والديواني والنسخ والثلث، كما درست أزهار التذهيب والزخرفة، وقد شاركت في العديد من المعارض المحلية والدولية، خاصة في المحافظة الشرقية في الدمام، ومسابقة الخط العربي في مركز (أرسيكا) تركيا، وأيام الثقافة السعودية ولها مشاركات دولية في ألبانيا، وإيطاليا والبرازيل، كما شاركت في بينالي الشارقة ومعرض دبي الدولي للخط، وأسهمت في معرض الخط العربي في مكتبة الملك عبد العزيز العامة في الرياض ضمن احتفاليات سنة الخط العربي (2021)، وهي حاصلة على جوائز فنية رفيعة.