أحتفظ، من باب التاريخ والحنين، بالطبعة الأولى من كتاب «كُلّنا، كُلّنا، كُلّنا.. نحب البحر» الصادر عن اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في عام 1986، وفيه 26 نصّاً قصصياً لـ26 كاتباً وكاتبة من الإمارات بعضهم تعود كتاباته إلى عام 1971، والبعض ربما كان لا يعرفه أحد من الجيل الجديد لكتاب القصة والرواية في الإمارات مثل: مظفر حاج مظفر، ومحمد ماجد السويدي، وعبدالعزيز خليل. مَنْ هؤلاء؟ وأين هم الآن؟ وهل ما زالوا على قيد الكتابة؟ قبل التاريخ والحنين لاحظ معي عنوان الكتاب الذي تتكرر فيه كلمة «كلنّا» ثلاث مرّات، وذلك بغرض التوكيد اللفظي والمعنوي معاً، وكأن الذاكرة الثقافية الإماراتية آنذاك أي في مطلع ثمانينات القرن العشرين وسبعيناته تؤكد على موضوع البحر وثقافته وأدبه وجمالياته من باب الحنين بالطبع.
أعيدت طباعة ذلك الكتاب الذي كان أوّل عنوان يصدر عن اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، ولكن بقيت نسخة الطبعة الأولى ذات أثر نفسي حاضر بقوة في ذاكرة العديد من كتّاب تلك المرحلة الثمانينية المضيئة بأعلامها ورموزها، وإن غاب البعض من أولئك الأعلام غياباً وجودياً أو ثقافياً أو حياتياً هو في واقعه غياب الحضور أو حضور الغياب كما يُقال دائماً حين يجري استعادة الماضي وتذكّره في صورة الناس أو الحياة أو الكتابة.
صمّم غلاف ذلك الكتاب الفنان التشكيلي السوري عبداللطيف الصمودي، وكان آنذاك واحداً من أهم الرسّامين العرب المقيمين في الإمارات. أقام في الشارقة، وتفاعل مع حراكها الفني والثقافي، وأخذت تجربته التشكيلية تدخل آفاقاً عربية وعالمية بلوحاته الجدارية الضخمة ذات الطابع الزخرفي المتأثر بالمكان والبيئة الإماراتية.
كان الصمودي «ماكينة» رسم بشرية إنسانية، وكانت لوحته تفيض بالرقة والأناقة والغنائية الشعرية، وإن لم تخني الذاكرة كان هو يكتب الشعر، وكان جميلاً وأنيقاً في كل شيء، يرسم بلا هوادة، كأنه كان يستشعر أن حياته لن تكون طويلة، ولكن إن كانت حياته مثل حياة الفراشة أو العصفور، فإنها كانت عميقة وغنية وخصبة بالرسم وحضور الشخصية وجمال الروح.
أين أعمال عبداللطيف الصمودي التشكيلية الجدارية؟ وأين تراثه الفني الذي أنجزه في الإمارات؟ وكان إنجازاً ثقافياً تشاركياً تكامل في قيمته الفنية مع التجارب الإماراتية والعربية التشكيلية في فترة ثمانينات القرن العشرين.
بعض الكتب تحمل قصتين: قصة داخل الكتاب نفسه، وقصة ماثلة على الغلاف الذي هو دائماً عتبة الكتاب، وعبداللطيف الصمودي ليس قصة غلاف، بل هو قصة رسّام عربي حقيقي عاش في الإمارات، في قلب ثقافتها وروحها ومعناها الإنساني الرفيع.