يونس السيد
لم يغير قرار المحكمة الإسرائيلية تجميد حظر منظمات الإغاثة الدولية مؤقتاً من حقيقة الاستهداف الإسرائيلي لعمل هذه المنظمات ولا من واقع الكارثة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة، طالما أن الأمور بقيت على حالها مع القيود المشددة التي لا تزال مفروضة على عمل هذه المنظمات.
وعلى عكس ما يوحي قرار تجميد الحظر، فإنه يتيح لهذه المنظمات مواصلة عملها ضمن ما هو متوفر لديها، بانتظار صدور القرار النهائي، وبالتالي لن تتمكن هذه المنظمات من تبديل طواقمها والحصول على تأشيرات لموظفيها أو إدخال مساعدات إغاثة ومعدات وأدوية جديدة إلى القطاع أو الضفة الغربية المحتلة.
يتعلق الأمر بالتماس تقدمت به 17 منظمة إنسانية بينها منظمات كبرى مثل «أطباء بلا حدود» و«أوكسفام»، اعتراضاً على قرار سابق يقضي بحظر نشاطها ضمن 37 منظمة أجنبية إنسانية وإغاثية تعمل في غزة والضفة الغربية، بذريعة عدم امتثالها للإجراءات الإسرائيلية الجديدة. وهي إجراءات تقضي بعدم منحها التراخيص اللازمة إلا بعد تقديمها قوائم أسماء تتضمن معلومات كاملة ومفصلة عن موظفيها الفلسطينيين، والكشف عن مصادر تمويلها خلال 60 يوماً انتهت في الأول من مارس (آذار) الحالي، أو يتم إنهاء أنشطتها في حال عدم الامتثال.
وحقيقة الأمر أن محاولة حظر هذه المنظمات تأتي في سياق استراتيجية إسرائيلية مخطط لها مسبقاً تستهدف إحكام الحصار على الفلسطينيين، وعزل غزة والضفة الغربية عن أي رقابة دولية، بغض النظر عن أهمية الخدمات التي تقدمها هذه المنظمات، وهي استراتيجية تم إقرارها من قبل لجنة وزارية إسرائيلية مشتركة استحدثت العام الماضي برئاسة وزيرة شؤون الشتات عميحاي شكلي، وتخللها تعديلات قانونية وشروط دخول وإقامة جديدة، استهدفت منع دخول شخصيات أجنبية تنتقد السياسات الإسرائيلية، لضمان عدم وجود شهود محايدين ينقلون حقيقة الأوضاع الميدانية والانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين إلى المجتمع الدولي.
هذه الإجراءات تأتي استكمالاً لمنع الصحفيين الأجانب من دخول قطاع غزة لنقل صورة محايدة للانتهاكات والجرائم الإسرائيلية من قتل وتجويع وتدمير لكل مقومات الحياة التي وصلت إلى حد الإبادة بإقرار الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. وهي أيضاً تأتي استكمالاً للحرب الشرسة التي شنتها إسرائيل ضد وكالة الأونروا التابعة للأمم المتحدة التي وصلت إلى حد تصنيفها منظمة إرهابية، ولم تكتف بفرض حظر على أنشطتها، أو قطع المياه والكهرباء عن المؤسسات التابعة لها، بل اقتحمت مقرها الرئيسي في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة ودمرت عدداً من مبانيها ورفعت فوقها العلم الإسرائيلي في تحدٍ سافر للقانون والمجتمع الدوليين.
وغني عن القول إن إسرائيل قتلت مئات العاملين في هذه المنظمات الإنسانية، خصوصاً في المجالات الطبية والإغاثية، وفوق هذا وذاك، لم تتردد في منع المنظمات الحقوقية غير الحكومية من دخول الأراضي الفلسطينية لقطع الطريق على فضح انتهاكات الاحتلال والإمعان في سياسة تكميم الأفواه الدولية.