خالد راشد الزيودي*
حين يشعر المواطن بالأمان وهو يسير في شوارع بلاده، وحين يطمئن المستثمر إلى استقرارها، وحين يدرك العالم أن أرض الإمارات العربية المتحدة مساحة ازدهار لا ساحة صراع، فإن ذلك ليس محض صدفة تاريخية، بل ثمرة رؤية استراتيجية واضحة وإرادة سيادية ثابتة. لقد قامت دولة الإمارات العربية المتحدة على معادلة متوازنة: السلام قيمة راسخة، والاستقرار مسؤولية مستدامة، والسيادة أمانة وطنية لا يُسمح بالمساس بها. وفي منطقة تعصف بها التحولات والتوترات، ظلت الدولة نموذجاً للحكمة والاتزان، تدرك أن الأمن هو الأساس الذي تُبنى عليه التنمية، وأن حماية الوطن التزام لا يحتمل التأجيل أو التهاون.
أمن الإمارات العربية المتحدة ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل واقع يومي يعيشه المواطن والمقيم، وثابت استراتيجي تصونه مؤسسات قوية، وتدعمه منظومة متكاملة من الجاهزية والكفاءة. إنه جزء من هوية الدولة الحديثة، التي جمعت بين الانفتاح الاقتصادي والصلابة السيادية، وبين الدبلوماسية المتوازنة والقدرة على حماية مصالحها العليا.
غير أن التزام الإمارات بالسلام لا يعني التساهل مع أي اعتداء على سيادتها. فقد مثّلت الهجمات الصاروخية الإيرانية السافرة وغير المبررة، التي استهدفت أراضي الدولة ودولاً شقيقة في المنطقة، تصعيداً خطراً وانتهاكاً واضحاً لحرمة السيادة الوطنية. إن استهداف أراضٍ مدنية ومنشآت حيوية بصواريخ عابرة للحدود لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة سياسية أو عسكرية، بل يُعد عملاً عدوانياً مكتمل الأركان، يهدد سلامة المدنيين ويقوض الاستقرار الإقليمي.
ومن منظور قانوني، تشكل هذه الاعتداءات خرقاً صريحاً لمبادئ القانون الدولي العام، وفي مقدمتها مبدأ عدم استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي للدول، كما نصت عليه المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة. كما تمثل انتهاكاً لمبدأ حسن الجوار وتجاوزاً للأعراف الدولية التي تؤكد احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. إن أي اعتداء عسكري مباشر على دولة عضو في الأمم المتحدة لا يُعد مساساً بدولة بعينها فحسب، بل تحدياً لمنظومة الأمن الجماعي التي قامت عليها الشرعية الدولية.
أما من الناحية الأخلاقية، فإن تعريض المدنيين والمنشآت الاقتصادية للخطر يكشف استخفافاً خطراً بأمن الشعوب واستقرارها. فالأمن ليس امتيازاً يُمنح أو يُسحب، بل حق سيادي أصيل، وركيزة من ركائز الكرامة الوطنية. وأي تهديد له هو تهديد مباشر لحق الشعوب في العيش بأمان واستقرار.
وتتجاوز خطورة هذه الهجمات حدود الدولة المستهدفة، إذ تمس البنية الأمنية للخليج العربي بأسره. فأمن الإمارات جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة، وأي تهديد يطال أبوظبي أو دبي أو الشارقة (حماها الله تعالى من كيد المعتدين) ينعكس أثره على استقرار الرياض والمنامة والكويت والدوحة ومسقط وسائر العواصم الشقيقة. إن الجغرافيا السياسية للخليج العربي تفرض حقيقة واضحة: الأمن فيه منظومة مترابطة، لا تقبل التجزئة. وأي تصعيد غير مسؤول يفتح الباب أمام موجات من عدم الاستقرار تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة.
في هذا الإطار، أكدت وزارة الخارجية الإماراتية في بياناتها الرسمية إدانتها الشديدة لهذه الاعتداءات، ووصفتها بأنها تصعيد خطر وانتهاك سافر لسيادة الدولة والقانون الدولي. كما شددت على تضامن الإمارات الكامل مع الدول الشقيقة، وأكدت احتفاظ الدولة بحقها الكامل والمشروع في الرد بما يكفل حماية سيادتها وأمنها الوطني وسلامة أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، وفقاً لأحكام القانون الدولي. هذه المواقف تعكس وضوحاً في الرؤية وثباتاً في المبدأ، وتؤكد أن الاعتدال في السياسة لا يعني الضعف، وأن الحكمة لا تنفصل عن الحزم.
وقد عكست الاتصالات التضامنية التي تلقاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، من قادة العالم، حجم الثقة الدولية بمكانة الإمارات ودورها الإقليمي المتوازن. كما أكدت مواقف دول مجلس التعاون أن الوحدة الخليجية ركيزة أساسية في مواجهة أي تهديد، وأن أمن المنطقة مسؤولية مشتركة لا تقبل التردد أو الانقسام.
إن وحدة المجتمع الإماراتي، بتنوعه وتلاحمه، تشكل خط الدفاع الأول، وتعكس قوة نموذج وطني قائم على الثقة بين القيادة والشعب. هذه الثقة هي مصدر الطمأنينة الحقيقي، وهي ما يجعل الإمارات قادرة على مواجهة التحديات بثبات واستمرار.
ومع استمرار الدولة في أداء دورها كفاعل رئيسي في تعزيز السلام والتنمية والشراكات المسؤولة، فإنها تؤكد أن أمنها وسيادتها حقوق سيادية مصونة، لا تقبل المساومة ولا الاختبار. فالإمارات دولة تبني وتستثمر في الاستقرار، تنفتح بثقة وتتحرك بحكمة، لكنها في الوقت ذاته تحمي سيادتها بكل الوسائل المشروعة. إن أمن الإمارات غير قابل للمساس، لأنه أساس نهضتها، وضمان استقرارها، ورسالة واضحة بأن السلام الحقيقي يقوم على قوة تحميه وإرادة تصونه.
إن أمنكم واستقراركم أولوية مطلقة لا تقبل المساومة، فاطمئنوا... فالدولة قوية بمؤسساتها، ثابتة بقيادتها، وماضية في مسيرتها بثقة نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للجميع.