د. صلاح الغول

في تغريدةٍ مهمة، ولكنها ذات شجون على منصة «إكس»، أوضح الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، أن: «الأزمات تكشف النوايا الحقيقية تجاه دول ومجتمعات الخليج العربي، بقياداته وشعوبه. فلا يُنتظر موقفٌ متضامن من جماعاتٍ كالإخوان ورفاق دربهم، ولا من تياراتٍ أيديولوجيةٍ تصطفي قضاياها على حساب أمن الخليج، وتختار الصمت أو التبرير لحظة الحقيقة». وتابع أن «العدوان الإيراني الحالي اختبارٌ متجدد: مَن قلبه مع الخليج واستقراره، ومَن يرفع الشعارات ويغيب عند الشدائد».
ولذلك، اتخذتُ لهذا المقال عنوان «الأزمة الكاشفة». نعم، فالأزمة المركبة الخطِرة التي تختبرها المنطقة كشفت أموراً كثيرة ومواقف متباينة، وأظهرت النوايا الحقيقية والمواقف الفعلية تجاه دول مجلس التعاون الخليجي الست.
أول الأمور التي كشفتها الأزمة الحالية هو وحدة مصير الخليجيين في السرّاء والضرّاء. فلم يكن مفاجئاً أنه وبصرف النظر عن تباين سياسات الدول الست تجاه إيران، فإنّ الأخيرة استهدفت دول الخليج جميعاً بالصواريخ والمسّيرات، التي أصابت مواقع عسكرية ومناطق مدنية. حتى أن الاستهداف العدواني الإيراني طال عُمان، التي قامت بأدوار الوساطة والمساعي الحميدة بين إيران والولايات المتحدة لتجنيب إيران (والمنطقة) مواجهة عسكرية أخرى، وخرج وزير خارجيتها قبيل الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران ليبشر بقرب التوصل لاتفاق ويدعو بعيد الهجمات إلى وقف إطلاق النار، وأنّ هذه الحرب ليست حرب الولايات المتحدة.
ولكن، وما أشد حزني على «لكن» هذه، وما أكثر ما وددت لو لم أضطر إلى كتابتها، أقول: ولكن ربّ ضارةٍ نافعة. فقد كانت هذه الأزمة دافعاً إلى لَم شمل الأسرة الخليجية مرة أخرى، والمصالحة الفورية والتضامن الأخوي بين دولها وشعوبها وقادتها. ويبدو أنّ الأزمات الخارجية توحدنا، نحن أبناء الخليج، أكثر مما نملكه من مصادر الوحدة التي لا تتوافر لأي شعوب منطقة أخرى في العالم، من لغةٍ واحدة، ودين موحد، وأواصر دم ومصاهرة عريقة، وثقافة ونظم اجتماعية متشابهة، وخبرة تاريخية وعادات وتقاليد مشتركة...إلخ. والناظر للتاريخ يجد أن الأزمات التي مرت بالمنطقة دائماً توحدنا، ابتداء من الحرب العراقية-الإيرانية في ثمانينات القرن المنصرم مروراً بالغزو العراقي للكويت عام 1990 والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وأخيراً الشتاء العربي وتداعياته اليمنية والسورية. ورغم إيجابية توجه التوحد في الأزمات، فإننا نتطلع إلى أن تكون مصادر الوحدة التي نحوزها هي التي توحدّنا أكثر، وتمتن عرى التكامل السياسي وتؤسس لتكاملٍ دفاعي واقتصادي راسخ.
وقد أثبتت الأزمة الراهنة أننا بحاجة، أكثر من أي وقتٍ مضى، إلى تأسيس هيكل دفاعي مشترك فعلي، وأنْ يتم تطبيق اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك لسنة 2000. فلو أننا نملك هياكل عسكرية وقوات موحدة، ما جرؤ أحد على الاعتداء علينا، ولا احتجنا إلى قوى كبرى من خارج الإقليم لتعضيد دفاعاتنا. والحقيقة أنّ هذه الأزمة كشفت أن هياكل الدفاع المشتركة لا توجد إلا في الوثائق، وأنّ تفعيلها بات يمثل الملاذ الأول والأخير لحماية الشعوب والمقدرات الخليجية من أي عدوان خارجي غادر. كما أن هذه الأزمة كانت كاشفة لحدود ما تقدمه الاتفاقات الدفاعية مع القوى الكبرى، وحدود ما تقدمه القواعد العسكرية الأجنبية من ضمان لأمن الخليج وتوفير الحماية لدولها وشعوبها. بل إنّ البعض يذهب إلى أبعد من ذلك بالادعاء أنّ الوجود العسكري الأجنبي على أرض الخليج أصبح عبئاً أكثر من كونه حماية.
وقد كشفت الأزمة المواقف الحقيقية للفاعلين الخارجيين من دول مجلس التعاون، وأظهرت لنا العدو من الصديق. وبرغم أن معظم هذه المواقف لم تتعد الدعم الدبلوماسي، فإنها أظهرت، بحق، أنّ لحظة الخليج، بمعنى تنامي النفوذ الدولي لدول الخليج ومكانتها العالمية، لاتزال قائمة. فقد كان لافتاً أن تتوحد معظم دول المنطقة والعالم، برغم تباين مواقفها من الاعتداءات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، في إدانة الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون، والدعوة إلى وقفها فوراً. أكثر من ذلك، فإن الدول التي التزمت الحياد أو اتخذت موقفاً متوازناً تجاه تجدد المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، أدانت أيضاً الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج.
ولكن عدو زمان ليس له أمان. فقد كشفت الأزمة حجم الإرجاف والتشفي الإخونجي في دول الخليج، ولاسيما دولة الإمارات، بعد تعرضها للهجمات الإيرانية. كما كشفت مستوى التعاضد أو التماهي بين المواقف الإخوانية ومواقف إيران، وخاصة في تفسير شن ضرباتٍ صاروخية وجوية على دول الخليج. ولكن المفاجئ حقاً أن يشارك القوميون العرب جماعة الإخوان المسلمين الموقف تجاه الحرب الدائرة رحاها في منطقة الخليج، وتجاه تعرض دول عربية لاعتداءاتٍ من دولة أجنبية!
والخلاصة، وبالعودة إلى الحكيم الدبلوماسي الدكتور قرقاش، فإنّ الأزمة التي تمر بها المنطقة كاشفة للنوايا الحقيقية والمواقف الفعلية من جانب فاعلين دوليين تجاه دول مجلس التعاون الخليجي.

[email protected]