انفتحت قيم وأخلاقيات الثقافة المحلية الإماراتية، منذ قيام الدولة وإلى الآن على حضارات العالم كلّه، وعلى تراثه الفكري والفلسفي والأدبي والموسيقي والجمالي والمعماري والآثاري، وأصبحت ثقافات الشرق والغرب والشمال والجنوب، بهذا الانفتاح، متاحة ومعروفة ومقروءة هنا في الإمارات، وذلك، من خلال برنامج ترجمة عالمي نقل إلى اللغة العربية آلاف العناوين الحية في الأدب، والتاريخ، والعلوم، والجغرافيا، والطبيعة، والبيئة، والفنون البصرية والمسرحية والتشكيلية.
لم تنغلق الثقافة في الإمارات على الإبداع العربي فقط وكأن هذا الانغلاق يلغي الآخر، ويتجنّبه، ويتعالى عليه، بل رحّبت الثقافة العربية الإماراتية بآداب الشعوب وفنونها، وأقامت معها جواراً وتجاوراً ثقافياً على قاعدة الحوار مع الآخر، والحوار مع لغته، وتراثه، وتاريخه الأدبي والمعرفي والفكري.
إن فكرة الانغلاق، والنزوع إلى الاستعلاء الثقافي من خلال تمجيد العِرق والدين والقومية، موجودة عند بعض بل الكثير من الدول ذات الانتماءات التي تشعرها دائماً بالقوّة، والتفوّق، والعبور النفسي والأيديولوجي على ثقافات وحضارات العالم، وهي بالطبع نزعات نرجسية مَرَضيّة تجعل حاملها يعيش في أمجاد الماضي، بل يعيش في الفكر المغلق الذي يُسَمّى «فكر القلعة» كناية عن التحصّن بل الخوف من الآخر في ما يشبه القلعة المحصّنة.
نأت الثقافة الإماراتية عن مفهوم القلعة، ودرجت مؤسساتها ومبادراتها الأدبية والإبداعية على احترام الفكر الإنساني عادة، وتكريم الأدبيات المتفوّقة مهما كانت أصول وخلفيات وجذور هذه الأدبيات.
لذلك ظهرت في الإمارات أكبر شبكة جوائز أدبية وثقافية ذهبت إلى مستحقيها من الشعراء، والروائيين، والقصّاصين، والنقاد، والمسرحيين، والرسّامين، والموسيقيين في كل قارّات العالم، بل كرّمت الإمارات رموزاً نبغت في الكيمياء، والفيزياء، والطب، والمعمار، وكانت هذه الرموز هي علامة العالم المدني المتحضر الذي يراهن على الثقافة المدنية الجمالية التي تخدم الإنسان أولاً وأخيراً.
كتّاب وأدباء وناشرون ومترجمون وإعلاميون وعلماء نوبليون، واقتصاديون كبار، ومفكرون في النقد والجمال واللغويات والمعجميات والأديان والفلسفات المدنية الحضارية، مرّوا في هواء الإمارات، وارتدوا أوشحة التقدير المادي والمعنوي من آسيا وبلدانها الكبرى العريقة، مروراً بإفريقيا وأوروبا وكل دول العالم التي تنتج وتنجز وتبدع ثقافة الخير والمحبة والجمال.
القوّة، وفكر القوّة، وعقيدة القوّة الكارثية الدموية، كلها تقع خارج مفهوم الثقافة في الإمارات، وكلها أيضاً متواليات متوحشة مرفوضة، ومنبوذة، ومشطوبة تماماً من القاموس القِيَمي الإماراتي.


[email protected]