رضا السميحيين

يعتبر شهر رمضان المبارك في الوعي الإسلامي، فرصة روحانية سنوية لصقل ثقافة «إدارة الذات»، وأيضاً ضبط العلاقة التفاعلية بين الجسد والعقل والروح، ثلاثون يوماً من الامتناع عن الطعام والشراب ومختلف الملذات، في تدريب عملي صارم على الصبر وقوة التحمل وضبط النفس، وهما ما يحتاجه كل إنسان يسعى إلى المعرفة والتطور الشخصي.
يعيش الصائم تجربة روحانية دقيقة بين مطالب وحاجات الجسد وبين الإرادة، بين الرغبة في إشباع الغرائز الفطرية وبين القرار بالامتناع عن كل المفطرات، هذه الحالة تشكل في الحقيقة تمرينا نفسياً على التحكم في الوقت والرغبات، وتجعل الإنسان أكثر وعياً بذاته، يمتلك زمام أموره إذا ما قسناها بمقاييس الإرادة، وهذا النمط من المراقبة الذاتية لو تأملنا فيه لوجدنا أنه هو نفسه ما يحتاجه طالب العلم والمعرفة، حين يجلس الساعات الطويلة باحثاً ومدققاً ومجتهداً في سبيل فكرة أو بحث أو قراءة معمقة في الأدب.
الصيام في ثقافتنا الإسلامية إحياء للعقل، فالجوع لا يضعف التفكير بقدر ما ينقيه من كثير من الأفكار المشوشة، وحين ينظم أحدنا طعامه ونومه وسهره في رمضان، فمن الطبيعي أن يجد أن ذهنه غدا أكثر صفاءً وتركيزاً، فتتراجع الفوضى التي تعصف بيومنا، ونجد أنفسنا أمام نظام جديد يجعل الروح والعقل يعملان بتوازن، ضمن مواقيت مضبوطة لا يطغى فيها شيء على الآخر، ولعل أجمل ما يمنحه الشهر الكريم هو التدريب العميق للنفس على الصبر والتحمل، وهما أساسا كل رحلة معرفية جادة في هذه الحياة.
في التراث الأدبي، كثيراً ما ارتبط رمضان بمفاهيم التطهير والعودة إلى الذات، وهو المعنى نفسه الذي يقف وراء السعي إلى المعرفة، فالعلم لا يزدهر إلا حين يتخفف الباحث والكاتب من تشويش النفس، ويخوض تجربة «الصوم» عن الملهيات كما يصوم عن الطعام، فالمعرفة الحقيقية لا يمكن اكتسابها كـ«الوجبات السريعة» من المعلومات، وإنما تكتسب من جهد عقلي وفكري فيه تركيز وصبر، يشبه الصيام في فضيلته.
شهر رمضان يدرب الإنسان على الضبط الدقيق للتفاصيل مثل: مواعيد الطعام، والنوم، ومراقبة اللسان والعين، وإدارة الانفعال، وهذه الثقافة اليومية للانضباط يمكن أن تترجم بسهولة إلى سلوك معرفي، فيتعلم الشخص احترام مواعيد القراءة والكتابة، والالتزام بخطة البحث عن المعلومات والأفكار، والأهم بالطبع هو مقاومة الإغراء بالسرعة والسطحية.
شهر رمضان يأتي سنوياً يذكرنا بأن الذهن المتقد يحتاج إلى روح صافية، وأن الامتناع قصير الأمد عن الملذات قد يكون طريقاً لوعي طويل المدى، ومن هنا يتجلى المعنى الأسمى للشهر عبادة في صورتها العملية، ومعرفة في جوهرها الأخلاقي.

[email protected]