أحمد مصطفى

قد يكون فوز حزب الخضر بالانتخابات التكميلية في دائرة غورتن ودينتون بمانشستر الكبرى شمال إنجلترا في غاية الأهمية للحزب المعارض الصغير الذي أضاف نائباً في مجلس العموم (البرلمان البريطاني) ليصبح عدد نوابه خمسة بدلاً من أربعة. لكن دلالة نتائج تلك الانتخابات أوسع نطاقاً بكثير ولا تتعلق فقط بالساحة السياسية البريطانية، وإنما ربما تمتد لما هو أبعد وتنسحب على كافة الديمقراطيات الغربية.
فور إعلان النتائج، انطلقت التعليقات والتحليلات المكثفة عنها كمؤشر على الوضع البريطاني. الأمر الأهم هو أن الانتخابات الفرعية جاءت بحزب الخضر الذي يقوده جاك بولانسكي في المقدمة يليه حزب الإصلاح اليميني المتطرف الذي يقوده نايغل فاراج.
هكذا جاء حزب العمال الحاكم في المرتبة الثالثة، ليفقد أغلبية سابقة ودائرة كانت تاريخياً مؤمنة لمرشح العمال لم يخسرها منذ نحو قرن. اعتبر كثيرون ذلك مؤشراً على أن قيادة رئيس الوزراء كير ستارمر لحزب العمال نالت تماماً من ثقة الناخبين الذين منحوا الحزب أغلبية ساحقة في انتخابات يوليو/تموز 2024.
فسياسات ستارمر استهدفت بالأساس الميل بحزبه أكثر نحو اليمين، مبتعداً عن قواعده اليسارية والعمالية التقليدية. كما أن الحكومة لم تر تهديداً إلا في اليمين المتطرف، فحاولت أحياناً المزايدة عليه فيما يتعلق بسياسات الهجرة ودعم إسرائيل وتقليص شبكة الدعم الاجتماعي وغير ذلك، مهمِلة ما يهم الناخبين بالأساس وهو ارتفاع كلف المعيشة.
كانت تلك فرصة لحزب هامشي صغير مثل الخضر، كان تركيزه على قضايا البيئة وبعض القضايا التي تبدو «ترفاً» للناخبين العاديين. فمنذ انتخاب بولانسكي لزعامة الحزب العام الماضي تبنّى سياسات تتسق مع تطلعات الطبقات العاملة والمتوسطة مثلت مقابلاً منطقياً للتطرف اليميني الذي يمثله الإصلاح وفاراج.
لم يفلح ستارمر بتوجهه اليميني بكسب أصوات ناخبين محافظين، وخسر قاعدته الانتخابية التقليدية لصالح الخضر وربما لحزب جديد يعمل على تشكيله زعيم حزب العمال السابق جيريمي كوربن. أما حزب المعارضة الرسمي، حزب المحافظين، فقد شهد تراجعاً ساحقاً في تلك الانتخابات الأخيرة تكاد تكون أخرجته من المنافسة تقريباً. خاصة مع توالي خروج قيادات من حزب المحافظين وانضمامهم لحزب اليمين المتشدد لفاراج.
الخلاصة من نتيجة تلك الانتخابات أن التنافس الآن في الساحة السياسية البريطانية على أصوات الناخبين سيكون محصوراً بين يمين متطرف يمثله حزب الإصلاح ويسار متشدد يمثله حزب الخضر. هذان الحزبان اللذان حتى قبل نحو عام أو عامين لم يُعتد بهما حين الحديث عن المشهد السياسي التقليدي البريطاني.
هكذا، يمكن القول بأن الدلالة الأهم والأخطر في الواقع لنتائج انتخابات دائرة واحدة في شمال إنجلترا هي أن مستقبل السياسة البريطانية ربما يكون لأحزاب الهوامش على حساب أحزاب المتن التقليدية.
هناك انتخابات محلية في إنجلترا وانتخابات تجديد لمجالس ويلز واسكوتلندا في شهر مايو/أيار المقبل، أي بعد نحو شهرين. ستكون تلك الانتخابات اختباراً حقيقياً لمن يتقدم في ساحة السياسة والحكم في بريطانيا: أحزاب الهامش أم عودة أحزاب المتن التقليدية.
لا شك أن ما يجري في بريطانيا سيكون هادياً لأحزاب هامشية صاعدة في بقية أوروبا الغربية، من تيارات يمين متطرف تكسب أرضية بالفعل في السنوات الأخيرة، وتحظى بدعم الإدارة الأمريكية الحالية، وربما بروز تيارات يسار متشدد أيضاً تحاول مواجهة التطرف اليميني.

[email protected]