يحيى زكي
تُشبّه بعض التيارات اليمينية الأوروبية مهاجري اليوم بغزاة روما الذين طمعوا في ثروتها من دون التخلي عن أفكارهم وثقافتهم، وتسببوا في النهاية في سقوط الإمبراطورية الرومانية.
وبرغم أن مضمون هذه الرؤية يثير الجدل التاريخي، حول أسباب سقوط روما وتلك التشبيهات المفرطة في حدتها، فهل أوروبا اليوم هي روما الأمس؟ وهل يمكن التطابق بين المهاجرين والغزاة؟ بخلاف تلك الأسئلة التاريخية وغيرها، يمكن القول إن تلك الرؤية تخفي في العمق لا عقلانية واضحة تتناقض جذرياً مع دعوى طالما سمعناها ومؤداها أن الغرب عقلاني بالفطرة، فمجرد أن نعيش الراهن بروح الماضي هو توجه لا عقلاني، وهي تخفي ثانياً خوفاً يقترب من درجة الهلع من فكرة الآخر وقبوله.
صحيح أن الكثير من المهاجرين يعيشون في شبه عزلة داخل مجتمعاتهم الجديدة، وهو خطأ، ولكنه سلوك لا يتشكل وفق معطيات ثقافية فقط، ولكن تسهم فيه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لهؤلاء المهاجرين، فليس كل من يعيش من هؤلاء المهاجرين في «غيتو» يرفض الغرب ثقافياً وفكرياً، ولكن فقر هؤلاء وانخراطهم في أعمال رثة يضعهم على هامش المجتمع، ولا يمكن المطابقة بأي حال من الأحوال بين هؤلاء البؤساء وغزاة الأمس.
وبفرض أن كل المهاجرين يعيشون في «غيتو» وفق الرؤية اليمينية، وبغض النظر أن البلدان التي يعيشون فيها لا تبذل وسع طاقتها في دمجهم عبر الوسائل المختلفة، فإن العقلية التي تراهم مجرد غزاة، عقلية عتيقة لا علاقة لها بالعصر، وتعاني حساسية مفرطة تجاه كل من يختلف عنها، أما فكرة أن هؤلاء المهاجرين يجب عليهم التخلي عن أفكارهم وعقائدهم تماماً فلا تصدر إلا عن عقلية شوفينية متطرفة، لا تعرف التسامح.
«الآخر»، فكرة حديثة في الغرب، بل هي حديثة جداً، ولم يكن شعار الثورة الفرنسية: حرية وإخاء ومساواة، لكل البشر، ولكن للفرنسيين فقط، بعكس ما روّج له دعاة الحداثة طويلاً، وهناك شواهد عديدة في مظاهر الثقافة الغربية تؤكد أن «الآخر» فكرة ليست حديثة وحسب، ولكن غريبة أيضاً، شواهد في السينما والأدب والممارسات والسلوكيات وحتى القوانين التي كانت تميز بين البشر بسبب العرق أو اللون.
عندما نقرأ التاريخ الغربي يتأكد لنا أن أوروبا كانت تبحث عن هوية خاصة ووحدة ثقافية، تجلى ذلك في العديد من الأحداث التي لا تبدأ بمحاكم التفتيش ولا تنتهي بالحروب الدينية التي استمرت لعقود طويلة، كان الهدف إما دمج المختلف قسراً، أو التخلص منه نهائياً، ولم تقبل أوروبا المغاير فكرياً وعقائدياً إلا منذ ستينات القرن العشرين، ولم يكن ذلك أيضاً نتيجة لرغبة في التعرف إليه أو تسامحاً مفاجئاً انتشر هناك، ولكن لحاجة ماسة لأيد عاملة بعد سلسلة طويلة من الإجراءات نتج عنها شح في العمال بدأت بتجريم العبودية وانتهت بتخلص العالم من الاستعمار.
إذن الحاجة الواقعية والاقتصادية هي من فتحت أبواب الغرب للمختلف، أما التطور الفكري المرتبط بالانفتاح فيتعلق بالنخب الحداثية والمثقفة وحدها، ويبقى التحسس من الآخر روحاً حقيقية وعامة يوقظها اليمينيون بجلافة وخشونة الآن.