محمد خليفة
تمثل دولة الإمارات العربية المتحدة، اليوم، قوة إقليمية كبرى، بما تملك من إمكانات، اقتصادية وعسكرية واستراتيجية، إضافة إلى سياساتها المتوازنة، بالوقوف على مسافة واحدة، مع مختلف الأقطاب الدولية.
لقد استطاعت دولة الإمارات خلال السنوات الماضية، في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايدآل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، ، أن تصبح بؤرة التبادل التجاري بين الشرق والغرب، وذلك من خلال إنشاء الموانئ الضخمة في الكثير من الممرات البحرية المهمة في العالم، والعديد من المناطق الحرة. ما جعلها تُصنّف ضمن أكبر خمس دول في هذا المجال، وهي تستحوذ وحدها على نسبة كبيرة من عمليات إعادة التصدير عالمياً، ما يجعلها حلقة وصل حيوية بين المنتجين والمستهلكين في مختلف أنحاء العالم. ونتيجة لذلك فقد نالت دولة الإمارات عام 2024 عضوية تجمع «بريكس» الذي هو نادٍ للقوى الاقتصادية الناشئة في العالم.
ومنذ قيامها حرصت دولة الإمارات أن تسير على مبدأ إحلال السلام ونشر المحبة والخير بين مختلف الدول. وقد جعلت من هذا المبدأ، الذي أرساه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، أساساً في سياستها الخارجية تسير عليه القيادة الحكيمة لصاحب السمو رئيس الدولة.
وكانت دولة الإمارات تقف على الحياد الإيجابي في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وسعت، دائماً، من أجل تقريب وجهات النظر، وتجنيب المنطقة الحرب وويلاتها، لإيمانها بضرورة أن يتواصل صوت العقل، لتستقيم بذلك أمور بين الدول لتجنب حق المغامرة أو المخاطرة غير المحسوبة والخروج من دوائر الجغرافيا السياسية.
واليوم عادت الحرب بين الجانبين من جديد، وأصبحت أكثر شراسة، واستهدفت إيران بصواريخها دول مجلس التعاون ومن ضمنها دولة الإمارات التي أكدت في بيان أصدرته وزارة الخارجية، يوم الثلاثاء الماضي، أنها لم تتخذ أي قرار بشأن تغيير موقفها الدفاعي تجاه الاعتداءات الإيرانية المتكررة، مشيرة إلى أنها تعرضت لأكثر من ألف هجمة، وهو عدد يفوق مجموع ما تعرضت له جميع الدول المستهدفة مجتمعة.
وشددت الإمارات على أنها لم تشارك في الحرب الجارية، ولم تسمح باستخدام أراضيها أو مياهها الإقليمية أو مجالها الجوي في أي هجوم على إيران، التزاماً بسياساتها الثابتة القائمة على حسن الجوار وخفض التصعيد. وأكدت الدولة احتفاظها بحقها الكامل في الدفاع عن النفس، بما يكفله القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، بما يضمن حماية سيادتها وأمنها الوطني في مواجهة أي تهديدات. ومن المستبعد أن تدخل الدول العربية طرفاً في هذه الحرب، لأنها ليست حربها، بل هي حرب مصالح القوى العظمى. فإيران من أكبر حلفاء روسيا والصين في المنطقة، إضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل في المعسكر الآخر. ورغم المناورات الطويلة، بمختلف أشكالها السياسية والعسكرية والتفاوضية، بين الولايات المتحدة وإيران، والتي انتهت بأن فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها على إيران عقوبات شاملة، كما تم فرض عقوبات دولية عليها لفترة من الزمن بسبب برنامجها النووي، وقد تسببت تلك العقوبات في إنهاك اقتصادها وإفقار شعبها، حيث أصبحت دولة منهارة اقتصادياً.
وقد ظلت الولايات المتحدة تتحين الفرصة للانقضاض عليها وإسقاط نظامها، ووجدت أن اللحظة الراهنة مناسبة لإسقاطها ولاسيما بعد تحجيمها وإبعادها عن سوريا، ولذلك حدثت، العام الماضي، حربٌ قصيرة لمدة اثني عشر يوماً، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، وكانت اختباراً أو تمريناً بسيطاً، استكشف فيها كل طرف ما لدى الطرف الآخر من إمكانيات سيبرانية وعسكرية.
وجاءت الحرب الحالية لتكون هي الفاصلة بين الطرفين. ومن غير المرجّح أن تنتهي هذه الحرب قريباً، لأن المخططات الموضوعة من قبل الأطراف المتحاربة سوف تسير حتى منتهاها، وبما قد يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة. لكن مع وجود دول واعية وراسخة مثل: دول الإمارات بقيادتها الحكيمة، والمستندة إلى الدقيق من الحسابات، والعميق من سبر أغوار ظروف المكان والزمان والإنسان. ولذلك لا تدخر جهداً في سبيل وأد الفتنة وإنهاء الصراع، فإن الأمل كبير بأن يتوقف الهجوم المتبادل وأن يجلس الطرفان إلى طاولة الحوار من أجل الوصول إلى حل يرضيهما ويجنّب المنطقة، والعالم ويلات القتل والدمار، خاصة بعد إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله نحو 20% من الإمدادات العالمية، ما يعني أن إغلاقه قد يفضي نظرياً إلى قفزة تقارب 80%. إضافة إلى توقف الملاحة في الخليج العربي، ووقف رحلات الطيران في المنطقة وهذه كلها أعباء على اقتصاد المنطقة والعالم.
في هذا الوقت العصيب تعمل المنظومات الداخلية في دولة الإمارات، وفق توجيهات القيادة الحكيمة، باستعدادٍ راسخ وكفاءة عالية من أجل حماية المجتمع والدولة على مدار الساعة، فالأولوية هي دولة الإمارات ودوام عزّها وأمنها واستقرارها وسلامة أراضيها، وكل من يعيش فيها. حفظ الله الإمارات قيادة وشعباً من كل شرّ.