تعكس تجارب الفنانين العرب والمسلمين من خلال ما يقدمونه من إبداعات خطية قدرة بارعة في كافة تفاصيل تنفيذ الحروف بحسب موازين كتابة الخط المستخدم، وفي هذا الإطار لدينا لوحة للخطاط الباكستاني محمد علي زاهد وهي بالثلث مستخدماً فيها الدعاء «غفرانك ربي» وهو يعبر عن طلب المغفرة من الله والتوبة له جل وعلا، ويعكس هذا الدعاء روح الخشوع والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.

حرص الخطاط محمد علي زاهد في هذه اللوحة الجميلة على إبراز العديد من خصائص الثلث، من حيث حروفه الطويلة والممتدة عمودياً كما حرص على تنفيذ الانحناءات الواسعة والمرنة في الحروف بحرفية ظاهرة، فضلاً عن تنفيذه لبعض التشكيلات الواضحة فوق الحروف.

التكوين

راعى الخطاط في هذه اللوحة أن يكون التكوين منفذاً بطريقة متداخلة ومتوازنة، والتكوين في هذه اللوحة جاء على هيئة شكل شبه دائري، وهذا أسلوب شائع في لوحات خط الثلث.

الحروف هنا، تتجمع حول مركز واحد هو حرف الألف الطويل في المنتصف، وهذا منح اللوحة محوراً بصرياً، بحيث يكون الشكل العام للتكوين قادراً على منح المشاهد وهو يتمعن اللوحة فرصة الإحساس باللوحة والانسجام والقوة البصرية.

وقد جاءت حروف كلمة «غفرانك» متشابكة مع حروف (ربي) لنكون أمام شكل فني واحد، وليس مجرد كتابة سطرية عادية.

كما أن بعض حروف اللوحة صاعدة للأعلى كما هو في «ألف» كلمة «غفرانك» وبعضها منحن بشكل واضح كما هو في حرفي «الراء» و«الباء» في كلمة «ربي».

التوازن

تبدو اللوحة التي أمامنا مستقرة بصرياً، وذلك عائد لقدرة الخطاط زاهد على تصميم لوحة كان التوازن البصري فيها غير متماثل، فجهة اللوحة اليسرى تحتوي على امتدادان الألف في «غفرانك» مقابل تلك الانحناءات في حرفي «ربي» من جهة اليسار، حيث تنجذب العين أولاً إلى مركز اللوحة ثم تتحرك حولها بسهولة، وهذا يدل على نجاح زاهد في تحقيق التوازن في اللوحة.

الألوان

لقد جاءت الألوان في هذه اللوحة بسيطة لكنها مدروسة بعناية، والهدف من ذلك هو إبراز جماليات الخط العربي وإعطاء اللوحة طابعاً روحانياً هادئاً، فقد لون الخطاط حروف لوحته بالبني وهو يرمز هنا، إلى الدفء، الراحة، والترحيب، كما أنه يضفي إحساساً طبيعياً وودياً ما يمنح شعوراً بالاستقرار، والثقة، والأصالة، وهو خيار يلبي كل متطلبات الهدوء والبساطة وأيضاً الوقار/ وهذا يساعد كذلك على إظهار تفاصيل الخط العربي، وزاد من جمال اللوحة من الناحية الفنية والبصرية تلك الخلفية التي لونها أقرب إلى البيج، أو الأصفر الفاتح المائل إلى الورق القديم،، وهذا يذكر المشاهد بالمخطوطات الإسلامية القديمة، كما أنه لون يولد إحساساً بالدفء والهدوء كما هو حال اللون البني، وهذا أيضاً يجعل اللوحة تبدو تراثية أو تقليدية، كما أن هذه الخلفية الفاتحة تساعد على إبراز الحروف المكتوبة بخط داكن خاصة في بعص اللوحات الخطية عند كثير من الفنانين التي تميل لوحاتهم إلى الكتابة باللون الأسود فيما تميل خلفيات الخطوط إلى اللون الداكن أو الرمادي، هذا الوضوح في لون كتابة النص وفي الخلفية ساعد على إبراز حروف اللوحة وقد جذب عين المشاهد مباشرة إلى النص.

إضاءة

ولد الخطاط محمد علي زاهد في فيصل آباد / باكستان عام 1966، تعلم الخط على أستاذيه خالد جاويد اليوسفي وعبد الرحمن، له أعمال ومخطوطات كثيرة، وقد شارك في العديد من المعارض والملتقيات في باكستان وخارجها وحصل على العديد من الجوائز، بينها: الجائزة الثالثة في الجلي الثلث/ المسابقة الدولية للخط، مركز البحوث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية إسطنبول/ تركيا وذلك في عام 1993، كما حصل في 1994 على الجائزة الأولى في المسابقة الوطنية للخط، المجلس الوطني للفنون إسلام آباد، وفي 1995 على الجائزة الأولى في النستعليق والنسخ من مؤسسة سيد بابار علي/ لاهور، وفي 1998 حصل على الجائزة الخاصة/ المسابقة الوطنية لفن الخط/ المجلس الوطني للفنون/ إسلام آباد.

وهو يقوم بتدريس فن الخط العربي في باكستان وقد تخرج على يديه العديد من الطلاب.