أواصل الكتابة عن «حكم قراقوش».. ذلك الكتاب محدود الصفحات، رفيع القيمة، في مجال البحث التاريخي والتعامل مع الوثائق.
ومما جاء في مقدمته، التي كتبها الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الذي آثر دوماً أن يحتفظ بلقبه العلمي فقط على مؤلفاته وأبحاثه: «.. ولكن بعد الدراسة والبحث تبين أن الفاشوش في حكم قراقوش يختلف عن تلك الأساطير، فأردت أن أبين ذلك، فقمت بالبحث في ثلاثة مصادر: مخطوطة، وكتاب، ومحاضرة، لتزيل الاعتداء الظالم عن رجل دولة كان مرافقاً لصلاح الدين في حروبه، وقائماً بالحكم في مصر على خير ما يرام».
والمخطوطة التي يقصدها المؤلف هي للإمام جلال الدين السيوطي، وأما الكتاب فهو لأسعد بن مماتي، وزير صلاح الدين الأيوبي، ثم المحاضرة وهي لبول كازانوفا. ولاكتشاف تلك المحاضرة واقعة كتبها الدكتور سلطان، ونصها: «بينما كنت أقوم بجولاتي في المكتبات التي تعتني ببيع الكتب النادرة والمخطوطات عثرت على نص المحاضرة التي ألقاها بول كازانوفا Paul Casanova، بالمعهد المصري في الرابع من ديسمبر 1891، فقلت في نفسي إن تلك المحاضرة هي بيت القصيد، حيث كفتني عناء البحث والتنقيب عن كل ما يمت لمخطوطة كتاب «الفاشوش في أحكام قراقوش»، ولذلك سأتركها كما هي، فهي غنية في البحث، وجامعة لحقائق لن يستطيع أي باحث أن يأتي بمثلها».
وقد بحثت عن بول كازانوفا، فوجدت أنه مستشرق فرنسي ولد في الجزائر في يوليو 1861، وسافر إلى باريس سنة 1879، وتعلم في مدرسة اللغات الشرقية، ودرس في الكوليج دي فرانس، وحاضر في الجامعة المصرية عام 1925، وكان أستاذاً لفقه اللغة العربية بالجامعة المصرية، ووجه عنايته إلى مصر الإسلامية.
وفي المحاضرة التي احتواها كتاب الدكتور سلطان، تفنيد موثّق لكل ما شاع عن بهاء الدين قراقوش من استخفاف به، وانتقاص من قدرته العقلية، وسخرية من عموم تصرفاته وأحكامه، وقد ارتبطت كلها بما كتبه الأسعد بن مماتي، الذي استوزره صلاح الدين الأيوبي واستبدت به الغيرة، وربما الحقد، على مكانة ومقام قراقوش.
وابن مماتي هذا سليل عائلة قبطية مسيحية مصرية، شغلت في عديد من الحقب مناصب مهمة، ولد في القاهرة عام 544هـ/ 1149 ميلادية، وله كتاب شهير هو «قوانين الدواوين»، فيه رصد لقرى مصر ومدنها ومحاصيلها ومواردها المختلفة، وللحديث بقية.