د. ناجى صادق شراب

يقول المفكر الجزائرى مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة: «إن الحقوق تؤخذ ولا تعطى». فالحق لا يمنح. والحقوق لها جانبان، الأول الخاص بالعلاقة بالمحتل والمستعمر الذي يلغي كل الحقوق السياسية والتاريخية للشعب الخاضع للاحتلال، ولإنكار يتم باستخدام القوة المسلحة بكل درجاتها من قتل وتشريد وتدمير ومصادرة الأرض استناداً لسرديات دينية لا تقوم على أدلة ثابتة، وهذا ما نطق به السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي بتصريحه الخطِر الذي ينفي فيه حق الشعب الفلسطيني بأراضيه، وتكراره لمقولة «إسرائيل من النيل إلى الفرات» التي تتطابق مع مواقف اليمين الإسرائيلي بحلم إسرائيل الكبرى.
حتى إن إسرائيل تعمل على حرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في الانتخابات وتضع العراقيل لعدم الاعتراف بحق السلطة بممارسة حقوقها السيادية والسياسية.
إن هذه الحقوق في كل جوانبها تحتاج إلى النضال والمقاومة بكل أشكالها المشروعة لأن الأساس في كل أنظمة الحكم هي المواطنة والحقوق المتساوية، فكيف لنا في أكثر من خمسة عشر مليون فلسطيني يحرمون من ممارسة هذا الحق، وكيف للمواطن في إسرائيل ذاتها أن يمارس حقوقه الكاملة في الوقت الذي يعيش فيه المواطن الفلسطيني وعلى نفس الأرض محروماً من ممارسة نفس الحقوق، ما يعني ممارسة سياسة التمييز العنصري والتفوق العرقي وعدم الاعتراف بأدمية الإنسان الفلسطيني وتحويله لمجرد تابع يبحث عن الأكل والشرب، علماً أن هذا الشعب يملك كل مقومات المواطنة والحق في ممارسة حقوقه السياسية في ظل دولة مدنية ديمقراطية مستقلة.
والمفارقة التاريخية أن بريطانيا وفي سياق سياسة الانتداب التي مارستها على كل فلسطين منذ 1916 حالت دون أن تمنح الشعب الفلسطيني دولته الواحدة المستقلة وفقاً لتصنيف الانتداب بأن من حق الشعوب المتقدمة أن تمارس حقها في قيام دولتها، ولو فعلت بريطانيا وطبقت هذا الحق ما ظهرت القضية الفلسطينية ولقامت دولة واحدة لكل مواطنيها، لكنها وظفت انتدابها لتنفيذ وعد غير قانوني وهو وعد بلفور الذي نص على قيام وطن قومى لليهود في فلسطين.
والمفارقة التاريخية الثانية أن إسرائيل منذ قيامها عام 1948، وعلى الرغم من قرار الأمم المتحدة رقم 181 الذي نص على تقسيم فلسطين لدولة لليهود ودولة عربية، فلم يتم الاعترف بهذا الحق، وحالت دون قيام هذه الدولة الفلسطينية بدعم ومساندة أوروبية وأمريكية، فكانت الحرب الأولى عام 1948، حيث احتلت إسرائيل ما يقارب 25 في المئة من المساحة المخصصة للدولة العربية ولتكمل احتلالها بحرب 1967، ومنذ ذلك الوقت ترفض إسرائيل قيام الدولة الفلسطينية وتمارس سياسة الاحتلال والاستيطان والتهويد والتشريد.
اليوم نفس السياسة تتكرر في حرب العامين في غزة والضفة، بحرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه المشروعة في قيام دولته. إن للفلسطينيين حقوقاً تاريخية في أرضهم، وهذه الحقوق تدعمها العديد من القرارات الدولية التي صدرت عن الأمم المتحدة ومن أبرزها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإنهاء الاحتلال، وقيام الدولة الفلسطينية وعدم شرعية الاحتلال والاستيطان. إن هذه الحقوق تعطي للشعب الفلسطيني الحق في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة.
وهنا السؤال: هل استخدام السلاح حق مشروع؟ وفقاً للقانون الدولي نعم، لكن وفقاً لمعايير وشروط معينة. والإشكالية ليست في استخدام السلاح الذي وافقت السلطة الفلسطينية على ضبطه والالتزام بالمقاومة السلمية، لكن في الحقوق المسلوبة المحروم منها الشعب الفلسطيني بسبب الاحتلال وإصرار إسرائيل على رفض قيام الدولة الفلسطينية.
وعلى الرغم من حرب العامين على غزة وقيام ما يسمى «مجلس السلام» تبقى الإشكالية قائمة مع هذا السلام المنقوص الذي تدعمه القوة، ف«مجلس السلام» يتكلم فقط عن نزع السلاح ولا يتكلم عن الحقوق والدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال. المشكلة ليست في السلاح، لكن في تجاهل الشعب الفلسطيني وحقه في دولته.

[email protected]