رضا السميحيين
من يجرب القراءة خلال ساعات الصيام يكتشف أن التجربة تسير بطريقة مختلفة على المستويين الذهني والفكري، فالذهن يميل إلى حضور أهدأ وتركيز أعمق، لتصبح كل جملة تقرأ ذات وقع خاص ومعنى أكثر تأثيراً، ويبدو أن السبب في ذلك هو أن الصيام يخفف من التشويش الذهني والتشتت الذي تفرضه وتيرة الحياة السريعة. لذلك، حين يجد المرء لنفسه مساحة «هروب» فكرية في الأجواء الرمضانية، يتحول معها إلى قارئ أكثر قرباً من المعنى، وأكثر استعداداً للتأمل في ما وراء النص.
ولعل أجمل ما يجمع بين الصيام والقراءة هو أن كليهما يوجه الإنسان نحو إعادة النظر في داخل النفس، فالصيام يفتح باب السكينة والتأمل، والقراءة تمنحنا اللغة التي نعبر بها عن تلك السكينة، والصيام أيضاً يدرب الجسد على الصبر، والقراءة تدرب الفكر على الفهم، وعند تلاقي الصبر والفهم تتكون صورة الإنسان المتوازن، الذي يفكر ويؤمن ويفعل بانسجام مع ذاته.
في شهر رمضان وتحديداً ساعات ما قبل الغروب، وعندما تمسك كتاباً تبدو لك الصفحات أكثر شفافية، وكأنها تعكس ما بداخلها بوضوح أكبر، فلا تعود مستعجلاً لبلوغ نهاية الفصل، وتصبح أقرب إلى الإصغاء، وكأنك تصغي للكلمات، وللصمت الذي بينها، وللأسئلة التي تتركها تشغل الروح، لتتبدل وظيفة القراءة من استهلاك معرفي إلى ممارسة تأملية، وطقس شخصي يوازي في عمقه الصيام ذاته.
القراءة في رمضان متعة لا حدود لها، وربما رحلة مع كتاب واحد، تكفي لتوقظ فينا فكرة أو إحساساً غاب في زحام الأيام، إن التحول الذي يفرضه الصيام على الجسد ينعكس حتماً في تلقي المعنى، ولهذا السبب نجد أن بعض الصفحات المقروءة في نهار الصيام تبقى عالقة في الذاكرة أطول من غيرها، وهذا أمر مرده إلى الصفاء الذهني عندما تقرأه بعقل أقل تشوشاً وقلب ساكن هادئ.
كما أن الأجواء الرمضانية، بما تحمله من روح جماعية ومنابع للتكافل والطمأنينة، تخلق مناخاً ثقافياً مختلفاً يعيد الاعتبار للكلمة والمعرفة، فكما يجتمع الناس حول مائدة الإفطار، يمكنهم أن يجتمعوا حول فكرة أو كتاب يثير النقاش ويحفز التفكير، وهكذا تتحول القراءة في هذا السياق إلى فعل اجتماعي وطقس ثقافي يعبر عن حاجة الإنسان إلى التواصل عبر الكلمة والمعنى.
يجتمع الصيام والقراءة كفعلين يعبران عن وعي الإنسان ورغبته في الارتقاء بذاته، وعندما يلتقيان في شهر واحد، تتكون حالة من صفاء فكري وروحي تدفع المرء إلى مراجعة نفسه، فيصبح الكتاب رفيقاً للتأمل، ويغدو الصيام فرصة لإعادة تنظيم العلاقة مع المعرفة ومع الذات، ومع ذلك الجانب الداخلي الذي لا نلتفت إليه كثيراً في زحمة الحياة اليومية.