يعد فن الزخرفة والتذهيب من الفنون التي تميزت بها الحضارة الإسلامية، حيث جمع بين الجمال والوظيفة، استخدم الفنانون الزخرفة لتزيين المساجد والمصاحف والمخطوطات، مع التركيز على التنظيم الهندسي والدقة في التفاصيل. أما التذهيب، فكان يستخدم لإبراز العناصر المهمة واضفاء قيمة جمالية ورمزية تعبر عن التقدير للنصوص المقدسة أو الموضوعات الفنية.

يعد الخط العربي أحد أبرز عناصر هذه الفنون، لأنه يجمع بين المعنى والشكل في آن واحد، فالحروف العربية بطبيعتها المرنة شكلت أساساً لتكوينات زخرفية متنوعة، استخدمها الخطاطون والفنانون لتزيين الجدران والكتب والأعمال الفنية، ومع مرور الزمن أصبح الخط جزءاً رئيسياً من التكوين الزخرفي، لا يقل أهمية عن الأشكال النباتية والهندسية في بناء الهوية البصرية للفن الإسلامي.

خصائص

اللوحة التي بين أيدينا من إبداع الخطاط مثنى العبيدى، والتي نتأمل فيها الآية الآية 98 من سورة طه، ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، مخطوطة بقلم الثلث الجلي، الذي يكاد يكون أكثر الخطوط توظيفاً وشهرة، وذلك لقدرته الفائقة على صنع أشكال ولوحات وتصميمات جمالية، لكونه يتسم بالعديد من السمات والخصائص مما يجعله متفرداً بين بقية الأقلام العربية الأخرى.

تقدم هذه اللوحة مثالاً على الاستخدام المتكامل لفن الخط الثلث الجلي مع الزخرفة والتذهيب في إطار واحد متماسك، يوازن بين حضور النص القرآني والتكوين البصري الحروفي، ويقوم التكوين على مركزية الدائرة في قلب اللوحة التي تحتضن الآية الكريمة وتحيط بها هالة زخرفية شعاعية متعددة الطبقات، في انسجام مع مضمون الآية الذي يعلن التوحيد وعموم العلم الإلهي.

يبدأ الخطاط العبيدي اللوحة بتوزيع الكتل الحروفية أفقياً، جاعلاً من الألفات الصاعدة عناصر تشكل أعمدة داخلية في الكتلة الحروفية، وذلك في كلمات «إنما» و«إلهكم» «وعلما»، بينما جاءت الحروف المقوسة والدائرية مثل كلمات «وسع» و«كل» و«شيء» كرابط بين هذه الامتدات العمودية في نسيج بصري متشابك لكنه منظم ودقيق، لتصبح شبكة حروفية واحدة.

زخرفة

تنجذب عين الناظر لهذه اللوحة، إلى تلك الوحدة الزخرفية على شكل حزام زخرفي ذهبي واسع يشبه الشمس من حيث تقسيماته الشعاعية، مع نطاقات متنوعة من الوحدات النباتية والهندسية، ووجود هذه الزخرفة عزز من مركزية التكوين، كما أنها أسهمت في كسر الفراغ البصري، حيث شغلت المساحة الفارغة باللون الأزرق الذي يخلق تبايناً متناغماً مع الأخضر، ويكسر رتابة اللون الواحد، وجاء الإطار مشغول بزخارف نباتية، تستلهم تقاليد الأرابيسك الإسلامية، يغلب عليها اللون الذهبي مع تدرج لوني بين الأخضر والذهبي ليخلق حالة من الروحانية والسكينة.

أما من ناحية التوزيع اللوني في اللوحة فيقوم على ثنائيات لونية، مثل الأسود مقابل الذهبي، والأزرق والأخضر كلونين داعمين في الزخرفة، ما يربط العمل بسياق تقاليد المصحف العثماني عبر إحاطته بهالة زخرفية، تمثل عالم الجمال الذي يشهد على عظمة الخالق ويؤكد أن الإله واحد وأن علمه محيط بكل شيء، بهذا تصبح بنية اللوحة نفسها نوعاً من «الشرح البصري» للآية الكريمة.

سيرة

مثنى العبيدي خطاط عراقي من مواليد الرمادي عام 1972، حاصل على بكالوريوس في علوم الكيمياء من جامعة بغداد عام 1995. درس فن الخط العربي والزخرفة الإسلامية في بغداد، وشغل عضوية الهيئة الإدارية لجمعية الخطاطين العراقيين، كما يحمل عضوية شرف في جمعية القراء والمجودين العراقيين، وشارك عضواً في لجنة التحكيم لملتقى الفن الإسلامي في مسقط عام 2011.، أنجز العبيدي زخرفة المصحف الخاص بدولة العراق بين عامي 1998 و2000، ونفذ كتابة عدد من المخطوطات العربية الكبيرة على جدران مجلس الوزراء العراقي بين عامي 2001 و2003.