عبد الإله بلقزيز

ليس تعريفُ الحداثة بكونها حداثات محاولة قيصريّة منّا لتزويج الخصوصيّات للكونيّة قصد الظّفر بموقعٍ فيها، فالحقائق تتكلَّم بلغة عارية، وتقول بالأرقام إنّ البلدان التي كانت، إلى عهدٍ قريبٍ، ناميةً (حسب العبارة الكولونياليّة المهذَّبة)، أو ترزح تحت كَلْكَل الدّيكتاتوريّات العسكريّة، أو تتلقّى شعوبُها المنحَ والقروض والمساعدات، صارت تتربّع على عرش الصّناعة والتّكنولوجيا والعلوم، اليوم، وتقوم فيها دولٌ وطنيّة قويّة تُضارِع فيها معدّلاتُ البحث العلميّ معدّلاته في بلدان الغرب الكلاسيكيّة (الهند، الصّين، كوريا الجنوبيّة...إلخ).
لنتأمّل في هذه الأمثلة عن تعدُّد وجوه الحداثة في تاريخ الغرب المعاصر، وهي تتعلّق ب: أشكال النُّظُم الدّيمقراطيّة وأنماطها، نماذج العلمانيّة في بلدان الغرب، ثمّ نماذج فكر الحداثة في مجتمعات الغرب. وهذه، من غير شكٍّ، نماذج للتّأمُّل لم نخْتَرها جزافاً ولا اعتباطاً، بل لأنّ الدّيمقراطيّة والعلمانيّة والعقلانيّة هي جواهرُ تاج الحداثة في عالمنا الحديث والمعاصر، والقيمُ الأكثرُ تمثيلاً لها.
نتحدّث، عادةً، عن النّظام الدّيمقراطيّ الحديث بنفس عموميّة الحديث عن نظام الدّولة الوطنيّة، أو عن النّظام الرّأسماليّ، والحال إنّ التّعميمَ هذا (وهو يقود إلى التّنميط) يخفي حالاتٍ من التّعدّد والاختلاف، لا حصر لها، بين أنظمة الحكم التي نطلق عليها وصف الأنظمة الدّيمقراطيّة، أو بين الدّول التي ندخِلها في نطاق نموذج الدّولة الوطنيّة الحديثة، كما بين الرّأسماليّات المختلفة التي لا يَندرج، جميعُها، تحت نموذج رأسماليّ واحد.
ثمّة فارقٌ في الدّيمقراطيّات الحديثة بين ديمقراطيّات مركزيّة وديمقراطيّات لا مركزيّة، بين ديمقراطيّات توافقيّة وأخرى تشاركيّة، بين أنظمة ديمقراطيّة تتوزَّع فيها السّلطة بين البرلمان والرّئاسة (الولايات المتّحدة مثلاً)، وأنظمة تعود فيها السّلطة إلى برلمان تنبثق منه حكومة (النّظام الدّيمقراطيّ البرلمانيّ في بريطانيا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا والسّويد... مثلاً)، وأنظمة يَعود فيها النّصيب الأوفر من السّلطة والقرارِ إلى رئاسة الدّولة (النّظام الرّئاسيّ في فرنسا). ثمّة فارقٌ، أيضاً، بين نظام ديمقراطيّ غير مبنيّ على دستور مكتوب (المثال البريطانيّ) ونظامٍ تقوم ديمقراطيّتُه على مرجعيّةٍ دستوريّة، وهو الأسْيَدُ في العالم اليوم.
ثمّ إنّ الفارق كبيرٌ بين نظامٍ ديمقراطيّ مَبْنَاهُ على المواطَنة، حيث المساواةُ في الحقوق مكفولةٌ بين مواطني الدّولة بمعزل عن الأصل واختلافات العِرق والدّين واللّغة (كما في النّموذج الفرنسيّ)، ونظامٍ ديمقراطيّ يُقِرُّ - إلى جانب حقوق المواطنة العامّة - حقوق القِلاّت («الأقليّات») الأقواميّة أو الثّقافيّة.
ثمّة فارق، شبيهٌ للأوّل، بين العلمانيّات المطبَّقة في الدّول الوطنيّة الحديثة، بين علمانيّات متطرّفة تُقصي الدّينَ من الدّولة ومن الحياة العامّة، كما من المجتمع، بقوّة التّشريعات القانونيّة، وتُضيِّق على عمل المؤسّسات الدّينيّة الكَنسيّة أو الإسلاميّة، بل وعلى الحرّيّة الدّينيّة نَفسِها (على مثال العلمانيّة اليعقوبيّة في فرنسا، والعلمانيّة الشّيوعيّة البلشفيّة في روسيا السّوفييتيّة، والعلمانيّة الكماليّة في تركيا الحديثة)، وبين علمانيّات تكتفي فيها الدّولةُ باتّخاذ موقف الحياد تجاه الأديان والمذاهب الدّينيّة في المجتمع، وبإقرار الفصل القانونيّ بين الدّولة والدّين: بين الشّؤون السّياسيّة، بما هي من عمل الدّولة، والشّؤون الرّوحيّة والدّينيّة، بما هي من عمل المؤمنين. يختلف هذا النّموذج الأخير من العلمانيّات عن الأوّل بكونه لا يلتزم موقفاً فلسفيّاً مّا من الدّين، فيقيمُ عليه التّشريع (كما يفعل الأوّل)، وإنّما يمنع من إقحام شؤونٍ تتعلّق بالإيمان في شؤونٍ تتعلّق بالمواطنة، وبالعكس.
على أنّه داخل نموذج هذه العلمانيّات المعتدلة توجد خريطة فسيفسائيّة من النّماذج الفرعيّة، من نموذج العلمانيّة المتعايشة مع الدّين، والمعترفة بالحقّ في تَلَقُّنه في المدارس والجامعات، والحقّ في تكوين مدارس خاصّة به (كما في ألمانيا والولايات المتّحدة)، إلى نموذج العلمانيّة التي يترأس فيها رئيس الدّولة الكنيسةَ (كما في حالة الكنيسة الأنغليكانيّة بريطانيا وتَرؤّسِ رأسها المَلَكيّ لها).
وهذا، أيضاً، اختلافٌ يَرُدُّ إلى تبايُنٍ في التّجربة التّاريخيّة للعلاقة بين الدّولة والكنيسة (أو المؤسّسة الدّينيّة) في كلّ بلدٍ، بين مَن قامت فيه الثّورةُ على السّلطة القائمة، المتحالفة مع الكنيسة ورجال الدّين، ومَن كان فيه رجال الدّين فريقاً محايداً في الصّراع السّياسيّ على السّلطة، أو شريكاً في التّسوية التي قادت إلى الانتقال.

ABDILKEZIZ29.GMAIL.COM