عبدالله السويجي

شملت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، دول مجلس التعاون الخليجي، ولم تستثن أحداً من دول المجلس، ولا أحد يعلم هل ستتمدّد لتشمل دولاً أخرى، ولكنني سأركّز على حاجة دول المنطقة إلى مزيد من التضامن والتآزر والتنسيق.
لقد هدّدت إيران بأن دول المنطقة ستكون مشمولة بالهجمات العسكرية الصاروخية إذا ما اندلعت الحرب، ويبدو أنها لم تنتظر مشاركة القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج، ووجودها ليس سراً، بل بادرت إلى الهجوم على دول المنطقة، والغريب في الأمر أن الهجوم لم يقتصر على القواعد، وإنما شمل مرافق حيوية مدنية، ما يعني أن إيران اعتبرت دول المنطقة أعداء، رغم تصريحاتها المعلنة التي تقول إنها لا تكنّ أي عداء لدول المنطقة أو حكامها أو شعوبها، وتحرص على علاقات جيدة مع دول مجلس التعاون. ولا أدري إلى أي حد ستكون العلاقات وديّة بعد الهجمات الانتقامية التي وجّهتها لدول المنطقة.
في كل الأحوال، وبمعزل عن النتائج التي ستتمخّض عنها الحرب، فإن دول مجلس التعاون في حاجة إلى زيادة التعاون والتآزر والتنسيق كخطوة استراتيجية احترازية في مواجهة أي عدوان، من إيران أو غيرها.
إن دول الخليج تقع في بقعة جغرافية واحدة لا تفصل بينها بحار أو محيطات أو جبال، لا توجد سواتر طبيعية بالمختصر، وشعوبها تتشابه في التاريخ والنمو التاريخي والمجتمعي والاقتصادي، كما أن أنظمة الحكم فيها متشابهة ومتقاربة، إضافة إلى كل ذلك، هنالك تلاحم أسري يجمع العشائر والقبائل عن طريق المصاهرة والنسب، وأي تهديد تتعرض له دولة سيؤثر في باقي الدول، ولهذا فإن التعاون، إن لم تكن الوحدة، ليس خياراً، بل تفرضه عوامل جغرافية وديموغرافية واقتصادية وسياسية واستراتيجية ووجودية، وأهم هذه العوامل الموقف الموحّد الذي من شأنه أن يمنح الدول قوة تفاوضية، أما الأمن الاستراتيجي، فكل الدول تشترك وتستخدم ممرات بحرية واحدة، إضافة إلى تشابك الأسواق، إن في الطاقة أو المال.
ولو بحثنا في أشكال التضامن والعمل الجماعي سنجدها كثيرة ويأتي على رأسها، في أوقات الأزمات، التنسيق الأمني والعسكري، عن طريق توفير أنظمة دفاع جوي موحّدة، كما يحتل توحيد الموقف السياسي أهمية بالغة خاصة في توحيد الخطاب في المحافل العالمية، ونضيف إلى ذلك، التكامل الاقتصادي في مجالات الطاقة والصناعة وغيرها. والأهم من كل ذلك، الحفاظ على أجواء من المودة والمحبة والتفاهم، وأن تكون قائمة في كل الأوقات.
نحن نعلم تماماً أن ما سبق ذكره موجود، وهناك كيان اسمه مجلس التعاون مهمته تنشيط النقاط التي طرحناها وابتكار محاور أخرى للتنسيق والتكامل، ولكننا نعلم أيضاً أن وجهات النظر أحياناً ليست متطابقة ما يؤثر في عمليات التنسيق والتنمية الخليجية في الموضوعات سالفة الذكر. وقد يقول البعض إن التطابق ليس ضرورياً، فالاختلاف ظاهرة صحية، وهذا صحيح، ولكن ليس في الأمور الاستراتيجية ومنها الأمنية والعسكرية.
لقد حافظت شعوب المنطقة، كما ظهر خلال الحرب، على نسبة عالية من التآزر السياسي والتعاطف المجتمعي، ووحدة الخطاب الإعلامي، وشمل ذلك القضايا المحلية والخليجية، أي أن التغريدات، وإن كانت محلية، إلا أن تغريدات كثيرة كانت خليجية، كما لوحظ وبشكل جلي، تعاطف عربي كبير مع دول الخليج في أزمتها الحالية. أما ما يثلج الصدر حقاً، فهو موقف المقيمين ناصع البياض، وأنا أتحدث عن المقيمين في دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد أظهروا ولاء صادقاً وانتماء عالياً للإمارات، وخوفاً عليها وعلى قادتها وإنجازاتها، ومعظم المقيمين أبدوا استعداداً للدفاع عنها والتضحية بالغالي والنفيس.
وهذا الموقف ليس طارئاً، بل هو أصيل ناتج عن الحرص والتماهي مع مبادئ الإمارات ومنظومتها الأخلاقية والقيمية، كما أنه ناتج عن مبدأ التسامح الذي زُرع في قلوب وعقول الجميع، مواطنين ووافدين. وهذا الحب والتفاني والاستعداد للتضحية من أجل الإمارات هو إحساس أصيل واعتراف بجميل الدولة وحسن ضيافتها ورعايتها لأكثر من مئتي جنسية.
وإذا جاز لنا إنهاء المقال بفكرة غير عادية، سنسأل: هل للحرب إيجابيات؟ وقد يستهجن كثيرون هذا السؤال، لأن الحرب مذمومة في كل وجوهها، ورغم ذلك، هنالك إيجابيات للحرب، أولاً، قادتنا إلى كتابة هذا المقال، وثانياً، أنها أظهرت معادن الشعوب والتفافها حول قياداتها، وثالثاً، لقد بيّنت أن علاقة المقيم بالإمارات ليست علاقة مصلحة ولا آنية، وتتجاوز ذلك نحو الانتماء. ورابعاً، تعلّم الناس التضامن والتعاضد والتكافل والتكامل. وخامساً، تظهر الحرب للناس نعمة السلام والاستقرار والأمن والأمان، وسادساً، توفّر تجربة حياتية وإنسانية وأمنية وسياسية، وأخيراً وليس آخراً، تعلّم الناس الجرأة والشجاعة والمغامرة والإقدام، ورغم كل ذلك، لا نتمناها لأحد.
ويبقى مبدأ التضامن في حاجة إلى تعزيز وتمتين وتقوية، إن كان بين الدول أو الشعوب، أو بين الثقافات الساكنة في المنطقة.

[email protected]