لماذا لا أكتب القصة القصيرة؟ هذا السؤال يسأله الشباب الذين خرجوا للتو من البوابات الرمادية لبعض الكليات المغمورة، ولم يحددوا بعد الدرب الذي سيسلكونه، الشخص الطامح يدفع مبلغاً من المال لمدرسة للكتابة الخيالية، أو يلتحق بدورة في إحدى الجامعات، ويبدأ في الكتابة، وعند الانتهاء من الدورة يتم الالتحاق بدورة أخرى، وقد تكون لديه قناعة بأن العالم متأخر للغاية في توسيع نطاق اعترافه بالعبقرية.
سيقول هذا الشخص لنفسه: كان الشاعر جون ماسفيلد يغسل الصحون في نيويورك، ثم يعود إلى إنجلترا، ليصبح الشاعر الأبرز في ذلك الوقت، وجي دي موباسان عمل بعيداً على روائعه الصغيرة لمدة سبع سنوات، قبل أن يغامر بإحضارها أمام الضوء البارد للعالم الذي لم يقدرها، وكيبلنغ كان يتسكع في الشوارع بقصصه الهندية الرائعة في جيوبه، ولا يوجد محرر أو ناشر يرغب في الاطلاع عليها.
أيضاً فإن كنوت هامسون عمل في مزرعة، ولاحقاً قاطع تذاكر يجمع الأجرة على خط قطار في شيكاغو، وعاد أخيراً إلى موطنه النرويج، حيث الشهرة والثراء، وفي النهاية حصل على جائزة نوبل في الأدب، وهناك كثيرون بدأوا تلك البداية، 90% منهم لم ينجحوا أبدا، وفي النهاية أحبطوا وتخلوا عن المهمة.
أما من تبقى منهم فعاش ليرى اسمه مطبوعاً على قصة أو قصيدة أو مقال في بعض المجلات المغمورة، في حين أن بعضاً منهم أصبحوا في نهاية المطاف مؤلفي كتاب أكثر مبيعاً، وتزين أسماؤهم الصفحات البارزة في أشهر المجلات التي تعنى بالأدب.
هراء
ينتقل ناثان بريليون فاجن مؤلف هذا الكتاب، وعنوانه «كتابة القصة القصيرة فن أم تجارة؟» للحديث عن كتّاب مثيرين للشفقة، يمتلكون مواهب عظيمة أجبرت على الانهيار، وعن الصدق الكبير الضعيف والملوث، والمواهب النبيلة التي تم إطفاؤها، وبين هذه الحالات اثنان مثلوا المأساة، هما مارك توين وجاك لندن، فالأول، وكان يمتلك حساً عميقاً ساخراً، اضطر إلى أداء دور المهرج حتى النهاية، والثاني استمر حتى أنفاسه الأخيرة في ملء عقوده المربحة بهراء شعبي.
هناك سنوات تأسيس ونضج تتشكل فيها موهبة الكاتب، كانت إحدى المجلات قد دعت جاك لندن لتقديم أية قصة لديه لم تلق قبولا في المجلات الشعبية، بسبب عدم التكيف مع السائد، وكان رده: لا توجد مثل هذه القصص، واختتم ببيان يقول فيه: «لا أمانع في إخباركم أنه لو كانت الولايات المتحدة تتعامل بلطف مع كاتب القصة القصيرة، كما كانت فرنسا تفعل ذلك، منذ بداية مهنتي في الكتابة، كنت سأكتب العديد من القصص القصيرة التي تختلف تماما عن تلك التي كتبتها».
كان هناك من يقول: «إن النجاح الأدبي الدائم، من أي نوع لا يتم إلا من خلال رفض فعل ما يريده الناشرون، ورفض كتابة ما يريده الجمهور، ورفض قبول أي معيار شعبي، ورفض كتابة أي شيء تحت الطلب» ويعلق مؤلف الكتاب قائلا: يا له من مسكين، مسكين حقاً.
نصائح
هل هناك نصائح محددة ينبغي أن يضعها كاتب القصة القصيرة أمامه، قبل أن يشرع في الكتابة؟، والمؤلف يقدم مثل هذه التوجيهات في عشرين نقطة، قد يكون بعضها بديهياً مثل: «أعتقد أن القصة القصيرة هي أولاً وقبل كل شيء، شكل من الأدب، وليس مجرد مقال من صنع أحدهم».
الكتاب الذي ترجمته إلى العربية زهرة الحسن، وصدر عن منشورات «جدل»، يقول إن الأدب هو شكل من أشكال التعبير عن الذات، ويكمل: «أنا كائن حي حساس للعب، وتفاعل القوى في كل شيء حولي، إن الحياة في صورة الإنسان والمؤسسات والعواطف والأفكار تؤثر فيّ وسأعيد إنتاجها وتفسيرها، أود أن أوضح ذلك لنفسي سأبدع من أجل حب الإبداع، من أجل جماله، لإشباع الرغبة الإبداعية في داخلي».
عاشق الأدب سيشعر بصلة عميقة بهذا الكتاب، ويتعلم منه الكثير، وربما يستعيد تفاصيل قراءات سابقة، ليفك رموزها، ويعرف مفاتيحها وطرقها، لعله يجد طريق القصة ثم الرواية، سيعرف من يملك هبة الكتابة، كيفية صناعة حبكات مشتقة من الحياة التي يعرفها، من أشياء في داخله وحوله من شخصيات تم اشتقاقها واختبارها من قبل تلك الحياة.
سيحدد قارئ الكتاب معيار آرائه ومشاعره بنفسه، ويرفض تعديلها، لجعلها أقل إزعاجا أو أكثر براءة، أو أكثر موافقة لمعيار أو مواصفات أي محرر أو ناقد أو مدرس أو صديق، مستعيناً بالإيمان بأن هناك دائماً أقلية، لا تعرف الخوف، وترغب في سماع كلمة صادقة، وكتابة وقراءة قصة لا تنسى، تستحق أن تندرج تحت مسمى «أدب» و«فن».
ناثان بريليون فاجن كان أستاذاً للأدب الإنجليزي والدراما في جامعة جونز هوب، ولد في روسيا عام 1893 وتلقى تعليمه في الولايات المتحدة، وحصل على الدكتوراه في اللغة الإنجليزية عام 1932 وعمل في الهيئة التعليمية حتى تقاعده عام 1957 وله كتب مثل: «عن الحب وتفاهات أخرى» و«أمريكا من خلال القصة القصيرة» وقد توفي في فلوريدا عام 1972.