د. محمد الصياد*
الانكشاف الاقتصادي والمالي يعني التعرض إلى مخاطر نتيجةً لتقلبات غير متوقعة في السوق، لاسيما تقلبات أسعار العملات التي تؤثر في التدفقات النقدية والأرباح وقيم الأصول في المستقبل. كما يعني التعرض لمخاطر استراتيجية طويلة الأجل تؤثر في القدرة التنافسية. الاقتصاد الأمريكي في عام 2026، مرشح لمواجهة ما يُعرف ب«الازدهار والركود» (Boomcession)، أي النمو الاقتصادي المصحوب بتباطؤ في التوظيف، الذي سوف تتجسد مظاهره في: فقاعة ديون المستهلكين والأسر التي بلغت (من دون احتساب ديون الاسكان)، مستويات قياسية (نحو 5 تريليونات دولار في عام 2025)، مدفوعةً بالاقتراض عبر بطاقات الائتمان، فضلًا عن تزايد الضغوط التضخمية نتيجة للسياسة النقدية الجديدة التي سيتبعها مجلس الاحتياطي الفدرالي (بالنسبة لسعر الفائدة خصوصاً) في ظل رئيسه الجديد كيفين وارش.
شركات التكنولوجيا تخاطر بالانكشاف المالي مع اندفاعها المحموم نحو مزيد من القروض لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، من خلال الإصدارات السندية الضخمة التي باتت تثير المخاوف بشأن احتمالات التخلف عن السداد وفجوات التمويل، لتُضيف هي الأخرى فقاعة جديدة اسمها فقاعة الذكاء الاصطناعي.
حرب التعرفات الجمركية التي أطلقتها إدارة الرئيس ترامب، لها انعكاساتها على الواردات وعلى انكشاف المخزون السلعي للشركات، الذي يجد تجسيداته جزئياً في تباطؤ سوق العمل واحتمال ارتفاع نسبة البطالة إلى 4.5% بحلول نهاية العام الجاري (2026). التضخم البالغة نسبته حاليا 2.8%، مرشح هو الآخر، في ظل السياسة النقدية الجديدة للفيدرالي، الى الانفلات.
هذا ليس كل شيء. هناك ما هو أكثر تجذراً لهذا الانكشاف ولهذه الفقاعات. إنه الانقلاب في هيكل الاقتصاد، من اقتصاد انتاجي حقيقي الى اقتصاد ورقي. فقد أصبح واضحاً لكثير من الاقتصاديين في أمريكا وخارجها، بأن خلق الثروة في الاقتصاد الأمريكي مدفوعٌ بشكل متزايد بالهندسة المالية، مثل إعادة شراء الأسهم وإعادة هيكلة الديون، بدلًا من الاستثمار الجديد المُنتج. تتجاوز القيمة السوقية للشركات المدرجة في البورصات الأمريكية القيمة الدفترية لأصولها المادية بنسب عالية جدّاً، ظاهرة تفاقمت مع ازدياد الشركات التي تعتمد على الأصول غير المادية. وقد بيع متوسط أسهم مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، مؤخراً بأكثر من أربعة أضعاف قيمتها الدفترية. وبالنسبة لشركات مثل أمازون، فقد تتجاوز قيمتها السوقية من 6 إلى 12 ضعف قيمتها الدفترية (الأصول مطروحاً منها الالتزامات).
البروفيسور والخبير الاقتصادي الأمريكي مايكل هدسون، يؤكد بأن «الاقتصاد المُمَوّل»
(Financialized economy)، أي قطاعات التمويل وأسواق المال - يشكل القطاع المهيمن والمتزايد هيمنةً في الاقتصاد الأمريكي، بحيث تتجاوز حصته في اجمالي الناتج المحلي 40%. هدسون يفند البيانات الحكومية الرسمية التي تقول إن حصته تراوح حول 22% من الاجمالي. فيقول إن الإحصاءات الحكومية للناتج المحلي الإجمالي تُدرِج بشكل خاطئ دخل «الريع» أي الفوائد، ورسوم التأخير، والريع المالي ضمن الإنتاج، بينما يعتبرها هو «مدفوعات تحويلية» أو استغلالًا للاقتصاد الإنتاجي. فهو يدرج العقارات والتأمين ومدفوعات الفوائد ضمن اقتصاد التمويل والمبايعات والمضاربات المالية. مع تشديده على أن الاقتصاد الأمريكي برمته قائم على الديون. فديون الرهن العقاري تستنزف أكثر من 30-40% من متوسط مداخيل الأسر والأفراد، فتتدفق هذه الأموال إلى البنوك بدلًا من استثمارها في السلع الاستهلاكية أو الاستثمارات الإنتاجية. وإن الاقتصاد المالي يواصل تسببه في تراجع الصناعة في الولايات المتحدة من خلال إعطاء الأولوية لمكاسب رأس المال (إعادة شراء الأسهم) على الاستثمار في الإنتاج.
الانكشاف يطول الميزانية الفدرالية الأمريكية التي تسجل عجزًا مزمنًا (قُدِّر العجز فيها في السنة المالية 2025، بحوالي 1.9 تريليون دولار. وهو يشكل حوالي 25% من إجمالي الإنفاق الفيدرالي). والانكشاف يطول أيضاً ميزان التجارة الخارجية في السلع والخدمات، الذي يواصل تسجيل عجز تواتري، حيث بلغ في عام 2025,901.5 مليار دولار، بنسبة عجز تبلغ نحو 21%. أيضًا، من علائم الانكشاف، أن الديون الأمريكية المستحقة للدائنين المحليين والأجانب تفوق طاقة الاقتصاد على توليد الناتج المحلي الاجمالي سنوياً بنسبة تقارب 40%.
لهذا يجادل مايكل هدسون بأن دخل «الريع» هذا، لا يجعل الاقتصاد الأمريكي أكثر ثراءً، بل يحول الدخل من الاقتصاد الإنتاجي إلى القطاع المالي، مما يساهم في «انهيار بطيء» (Slow crash).
* خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية