عندما تسود العبثية والسخافة ونكران الجميل تسقط القيم وتتبخر المفاهيم التقليدية للقانون الدولي والعدالة وحسن الجوار، ويصبح المشهد فوضوياً وأقرب إلى الجنون، مثلما هو حال منطقة الشرق الأوسط. وبعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران وقع المحظور، وتعرضت دول الخليج العربية وأولها دولة الإمارات لاعتداءات غير محسوبة من طهران، تركت غصة في نفوس الملايين وشعوراً عميقاً بالخيانة من جار قديم، وآخرين يحلقون في الأوهام بعيداً.
لم تشهد منطقة الشرق الأوسط في تاريخها المزدحم بالحروب والفتوحات والانهيارات، حرباً معقدة كهذه اختلط فيها حابل الغارات الجوية بنابل الصواريخ والمسيرات، وكأن في الأمر مؤامرة أو نية خبيثة مضمرة لبث الفوضى في المنطقة. وإذا كان بين الولايات المتحدة وتابعتها «لسان اللهب» إسرائيل ما تتقاتلان عليه مع إيران، إيديولوجيات متطرفة وسباقات بين الهيمنة والتصدي، لم يكن للأطراف الأخرى، ولاسيما دول الخليج، أي علاقة بالصراع ولا لديها رغبة أو حرضت عليه.
ولأنها تعرف التداعيات والنتائج الوخيمة، لم تألُ هذه الدول جهداً في الدعوات الصادقة إلى تفادي أي تصعيد، وحذرت من ارتدادات خطيرة تتجاوز حدود المنطقة، وقد تقطع الشرايين الاقتصادية إلى القارات الأخرى التي تتغذى من منطقة الخليج خزان النفط والغاز الاستراتيجي وقلب الطاقة في العالم.
عندما تصبح الأوطان مهددة وعرضة للاستهداف لا مكان للوقوف على الحياد، ولا مجال لخيانة الأرض والتاريخ والانتماء، وما تتعرض له دولة الإمارات من اعتداءات إيرانية، لا يمكن تبريره أو الصمت عليه، فهذه الحرب لم يكن للإمارات دور فيها، بل عملت بجهود مخلصة على تفاديها، ولم تتوقف اتصالاتها الدبلوماسية مع مختلف القوى الفاعلة لإخماد نيرانها قبل الحريق، وعندما تغلب التهور على الحكمة وانفجر الصراع، لم تسمح الإمارات باستخدام أراضيها أو أجوائها أو مياهها الإقليمية في أي هجوم ضد إيران أو أي دولة أخرى، التزاماً منها بسياسة حسن الجوار وحفاظاً على مبادئها الدبلوماسية. وبالحزم نفسه، تشكلت، في لحظة تاريخية فارقة، مشهدية وطنية جمعت كل التنوع الإماراتي لحماية الدولة ومكتسباتها وصون أمن المواطن والمقيم والزائر ومن تقطعت بهم السبل بعد تأثر حركة الملاحة الجوية. وبفضل صلابة الجبهة الداخلية، يشتد عزم الإمارات على تجاوز هذه الأزمة العصيبة والاعتبار بما وقع والاستفادة من دروسها في المستقبل.
مشهد هذه الحرب اللعينة يعطي انطباعاً جدياً بأنها حرب عالمية وليست إقليمية، لم تعد فيها الضربات مقتصرة على الأطراف المتحاربة مباشرة، بل امتدت إلى دول ومنشآت طاقة حيوية، وكأن الأمر مدروس ومخطط له مسبقاً ويروم تحقيق أهداف غير منظورة في الوقت الراهن. وهذه الحرب لم تكن قدراً محتوماً بل نتيجة «أمر دُبر بليل» لغايات وأهداف لا علاقة لها بما يتردد وسط ضجيج السلاح والشعارات. ورغم محاولة كل طرف رسم النصر الذي يتوهمه، ستظل هذه الحرب في الشرق الأوسط وصمة عار، لأنها سليلة سياسات طائشة وشاهدة على ضياع البوصلة الدولية وتآكل قواعد القانون الدولي، وسقوط الأخلاق والمواثيق والمعاهدات التي يفترض أنها الضامنة لعدم الانزلاق إلى هذا الوضع المؤسف وتجرع مرارة واقعية بسبب ما يتداخل في هذه الأزمة من غدر وأنانية وتنصل من المسؤولية. ومهما سعى دعاة الحروب إلى تجميل المشهد، ستدينهم هذه الأحداث طويلاً، وسيكون المجد الحقيقي للأوطان المتمسكة بهويتها وسيادتها والمتطلعة إلى الاستقرار والخير والكرامة.

[email protected]