رضا السميحيين

يطرح الاستثمار في الثقافة كأحد الأعمدة الرئيسية لما يعرف اليوم بـ«الاقتصاد الإبداعي»، ولكن يبدو أن هذا المفهوم رغم أهميته لا يزال يفتقر إلى رؤية تخطيطية واضحة في كثير من الدول، لينتقل من مستوى الشعارات إلى مستوى المشاريع ذات الأثر الحقيقي والمستدام.
هذا أمر أدركته دول مثل بريطانيا وكوريا الجنوبية قبل أكثر من ربع قرن، وعرفت أن الثقافة والفنون والتصميم والإعلام، يمكن أن تتحول إلى صناعة حقيقية تدر المليارات، واعتبرت هذه الدول الإبداع ركيزة أساسية في بنية الاقتصاد الوطني، والأجمل في هذه القصة أن دولاً عربية، وفي مقدمتها الإمارات، التقطت هذه الإشارة مبكراً، فبدأت بتشييد بنية تحتية للاقتصاد الإبداعي قوامها المدن الإعلامية، ومؤسسات دعم المواهب، ومؤسسات تمويل المشروعات الثقافية والفنية.
الفكرة الجميلة هنا في الاقتصاد الإبداعي أنه مشروع استثماري يعيد الإنسان إلى قلب العملية الإنتاجية، خصوصاً مع الطفرة التقنية التي يتزايد فيها الاعتماد على الروبوتات والذكاء الاصطناعي، فالعالم وبشكل حتمي يسير نحو الآلة وأتمتة الأعمال، لكنه في الوقت عينه لا يستطيع أن يستغني عن الخيال والأفكار البشرية، حتى لو أستطاع الذكاء الاصطناعي كتابة رواية، يبقى عاجزاً عن أمتلاك تجربة الألم التي تكتب الشعر، وقد يستطيع تصميم لوحة فنية، لكن ستبقى تنقصه تلك الدهشة والروحانية التي تخلق الفن.
بصورة واقعية تظهر التجارب أن هذا الاقتصاد غير المرئي قد يفوق في مردوده كثيراً من الصناعات التقليدية، وهناك تجارب لدول مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، تجني من صناعاتها الثقافية والفنية أرباحاً تتجاوز ما تحققه كثير من الصناعات التقليدية، هذه الدول طورت جانباً واسعاً من «القوة الناعمة» بناء على العلامة الإبداعية في قطاعات السينما والمسرح والفنون.
غير أن مفهوم الاقتصاد الإبداعي لا يزال في بعض بلدان عالمنا العربي تائهاً في الخطط والسياسات الرسمية، مع غياب الرؤية الواضحة والأهداف الممتدة، والتعامل مع الإبداع على أنه حالة فردية هي نظرة قاصرة تجعلنا نستهلك أفكار الآخرين بدل أن نصنع أفكارنا نحن.
ربما تكون الثورة الحضارية المقبلة، هي ثورة أساسها تطوير العقول والأفكار، ليسف في الطاقة ولا في الصناعة، وإنما داخل رأس إنسان يملك الفكرة الصائبة في اللحظة المناسبة، لذا يمكن القول إن عقول المبدعين هي فعلاً حقول جديدة تستخرج منها ثروات الأمم، فالأفكار طاقة صافية لا تحتاج سوى إلى إنسان يفكر خارج الصندوق.

[email protected]