الفنان مسعد خضير البورسعيدي، واحد من أبرز رواد الخط العربي الحديث، ينتمي إلى جيل المجددين الذين نقلوا الخط نقلات واسعة كبيرة في رحاب الفنون، فكانت لوحاتهم وتكويناتهم هي لحظة لقاء بديع بين الأصالة والمعاصرة والانفتاح على الإبداعات والفنون العالمية، ما منح الخط زخماً كبيراً في خريطة الإبداع العالمي

من العلامات الجمالية الكبيرة والمميزة لخضير، لوحة متقنة تحمل نصاً قرآنياً هي الآية 149 من سورة الأنعام، والتي ورد فيها: «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ»، وهي آية تحمل العديد من الدلالات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى. وعمل الخطاط على ترسيخ بهاء النص القرآني عبر عمليات إبداعية وجمالية متقنة، حيث يتميز خضير بأسلوبية تعتمد على قوة الخيال في الابتكار واستحداث اللمسات الإبداعية الخاصة به، وبطريقة تفكيره الفني التي تتسم بالجرأة في التجريب ما يضيف الكثير لفن الخط العربي، ولعل تلك البراعة تظهر بصورة واضحة في هذا اللوحة المتوهجة بكلام رب العالمين.

تناسق

خط البورسعيدي اللوحة بقلم الثلث، ما أعطاه مساحة واسعة في الحركة والإبداع بأسلوب التركيب، فهذا الخط هو من الصعوبة بمكان ويحتاج إلى قدرات خاصة في التعامل معه وتوظيفه في عمل فني، حيث يستخدم الثلث بشكل مستمر في التكوينات والتراكيب المعقدة واللوحات الفنية المسجدية، واعتمد خضير في التصدي للعمل على أسلوبية التناظر أو التركيب الهرمي، بحيث تتداخل الكلمات لتكون شكلاً متناسقاً يجمع بين قوة الحروف وجمال التوزيع، ولئن كان التكوين الهندسي في اللوحة معقداً، لكنه متوازن في ذات الوقت، ما يمنح صورة بصرية فائقة الجمال.

أكثر ما يميز هذه اللوحة، أنها تقف شاهدة على التطور الفني الكبير في الخط العربي وحرف الثلث بشكل خاص فهي ليست نصاً مكتوباً فقط، بل عمارة بصرية شيدها الخطاط ببراعة هندسية وروح صوفية، واستطاع أن يحول نصاً قرآنياً جليلاً إلى تكوين بصري جميل، يعكس في طياته فلسفة الهيبة والجمال، وتجعل الدهشة تتسلل إلى المشاهد والذي يظل في حالة تأمل في هذا البهاء ما يجعله كذلك يتعمق في النص ودلالاته العظيمة، وذلك هو الهدف السامي للعمل الفني، فالناظر إلى العمل يلاحظ ذلك التراكم المهيب للكلمات فوق بعضها، لتشكل هرماً قاعدته عريضة وقمته ترتقي باسم الجلالة «لله»، ولعل هذا التصاعد البصري يعزز المعنى الإيماني للآية، فالحجة البالغة هي لله وحده، والارتقاء بالنص نحو الأعلى يمنح المشاهد شعوراً بالسمو والرفعة.

استعان خضير في هذه اللوحة بجملة من التقنيات الجمالية والإبداعية التي يوفرها خط الثلث الذي يتطلب دقة في موازين الحروف وفي التشابك والتكوين، بحيث يلاحظ المشاهد كيفية تداخل حروف السين والصاد واللام دون أن يفقد النص وضوحه، ما يظهر تمكناً عالياً من «تسكين» الحروف في أماكنها الصحيحة، وعلى الرغم من كثافة الحروف في المركز، إلا أن العين تتحرك بانسيابية بفضل التوزيع الذكي للفراغات والتشكيلات «الحركات الإعرابية»، التي تعمل ك «رئة» تتنفس من خلالها اللوحة.

تضاد لوني

يتوقف المتمعن في الأبعاد الجمالية للوحة، كثيراً عند البراعة في صناعة التضاد اللوني في اللون الأبيض على الخلفية باللون البني الداكن، ما يضيف ألقاً وتوهجاً للعمل، بحيث تبرز قوة الحروف، كما أن استخدام الخطاط للنهايات الممشوقة يمنح الحروف حركة توحي بالحياة، وكأن الكلمات في حالة تسبيح مستمر، ولعل وصول اللوحة إلى هذا المستوى من الاتزان والإتقان والدقة لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج جهد مضنٍ يتمثل في التصميم المسبق، أي وضع «القالب» وتوزيع الكلمات بحيث لا تطغى كلمة على أخرى، مع الالتزام بنظام النقطة لكل حرف، وضبط الموازين.