طال الزمن أم قصر يتكفل التاريخ بكشف الحقيقة وتعرية ما يخالفها، وقد ظل بهاء الدين قراقوش قروناً، مثار سخرية وطمس لأدواره الإيجابية مع قائده صلاح الدين الأيوبي، إلى أن كتب عنه البحاثة الفرنسي بول كازانوفا محاضرة ألقاها في المجمع العلمي المصري، في الرابع من ديسمبر 1891، وهو المجمع الذي أنشأه بونابرت، قائد الحملة الفرنسية على مصر، وبقي في القاهرة يؤدي دوره العلمي التنويري حتى أحرقه بعض المتظاهرين في أحداث ثورة يناير2011 في مصر.
ثم كان أن تم تعويض كل المحتويات العلمية للمجمع، ومنها محاضرة بول كازانوفا عن قراقوش، عندما قام العالم الجليل باعث النهضة الثقافية والعلمية العربية الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، بإهداء نسخ أصلية مما احترق إلى المجمع، وعرض أن تقوم الشارقة بإعادة بنائه.
أكتب ذلك رغم أنني أعلم يقيناً، أنه لا يفضّل أي ذكر لما يقدم لمصر، وفي ذلك حكمة سمعتها منه سوف أذكرها فيما بعد.
الشاهد أنني بحثت عن لماذا غادر صلاح الدين الأيوبي مصر ولم يعد أبداً، فوجدت قصة ذلك في المجلد التاسع من كتاب «الكامل في التاريخ» لابن الأثير الجزري، إذ كتب في أحداث سنة 578 هجرية: «ذكر مسير صلاح الدين إلى الشام وإغارته على الفرنج.. في هذه السنة خامس المحرم سار صلاح الدين من مصر إلى الشام، ومن عجيب ما يحكى عن التطير أنه لما برز من القاهرة أقام بخيمته حتى تجتمع العساكر والناس عنده وأعيان دولته والعلماء وأرباب الآداب.... وفي الحاضرين معلم لبعض أولاده، فأخرج رأسه من بين الحاضرين وأنشد:
تمتع من شميم عرار نجد
فما بعد العشية من عرار
فانقبض صلاح الدين بعد انبساطه وتطيّر وتنكد المجلس على الحاضرين، فلم يعد إلى مصر إلى أن مات مع طول المدة».
ثم إنني نقبت عن ذلك البيت من الشعر الذي تطيّر منه صلاح الدين وترك مصر، وأوكل لقراقوش حكمها نيابة عنه، فوجدته من قصيدة لعبد الله القشيري مطلعها:
أقول لصاحبي والعيس تهوي
بنا بين المنيفة فالضمار
تمتع من شميم عرار نجد
فما بعد العشية من عرار
وهي قصيدة قيلت في سياق الفراق، حيث يتأسف الشاعر على مغادرة نجد التي تضم ديار محبوبته. والعرار شجيرة برية مزهرة ذات رائحة زكية جداً.
آخر الكلام
صلاح الدين وعرار نجد
14 مارس 2026 00:05 صباحًا
|
آخر تحديث:
14 مارس 00:05 2026
شارك