تشهد العسكريتاريا الأمريكية بوصفها منظومة أيديولوجية ومادية وقوة سيطرة وذات انتشارٍ ونفوذ عالمييّن، منذ فبراير/ شباط 2025، استقالات وإعفاءات مُتعاقبة لقادتها العسكريين البارزين. وفي أوائل سبتمبر/ أيلول الحالي جرت تحقيقات مع عسكريين أمريكيين عن تسريبات بشأن نقص في الذخائر في سياق الحرب مع إيران. فقد ذكرت شبكة (سي إن إن) الأمريكية عن مسؤول في البيت الأبيض أن التسريبات بشأن نقص الذخيرة الأمريكية مصدرها مسؤولون يعارضون الحرب ومُصممون على دفع الرئيس ترامب لسحب أمريكا من الصراع.
الاستقالات والإقالات شملت الجنرال تشارلز براون جونيور، رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية، الأدميرال ليزا فرانشيتي رئيسة العمليات البحرية، الجنرال جيمس سلايف نائب رئيس أركان القوات الأمريكية، تيموثي هوغ، مدير وكالة الأمن القومي، الجنرال ديفيد ألفين، قائد سلاح الجو، جيفري كروز، مدير وكالة الاستخبارات الدفاعية، الأدميرال ألفين هولسي، قائد في البحرية الأمريكية، الجنرال جيمس مينغوس، نائب رئيس أركان الجيش جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب الجنرال راندي جورج، رئيس أركان الجيش الأمريكي جون فيلان، وزير البحرية الجنرال كريستوفر دوناهيو قائد في القوات البرية. واستقال وزير الجيش الأمريكي الدكتور دان باتريك دريسكول.
وقد وصف، توم نيكولز، الكاتب السياسي البارز في صحيفة «أتلانتك»، وأستاذ شؤون الأمن القومي في كلية الحرب البحرية الأمريكية، والمُحاضر في جامعة هارفارد، استقالة وزير الجيش الأمريكي، بأنها «مؤشر على وجود خلل وظيفي خطير في وزارة الدفاع، وبأن تعيين بيت هيغسيت وزيراً للدفاع يُعد مغامرة كبيرة، وقد صار وزيراً بناءً على المعيار نفسه الذي يشترك فيه معظم مُعيَّني دونالد ترامب الآخرين: الولاء. وقد سحبت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) وثائق سرية مرتبطة بما يُعرف ب«سجل أوامر وزير الحرب» من بوابة إلكترونية داخلية على شبكة سرية يستخدمها على نطاق واسع مسؤولو الوزارة والقوات الأمريكية، وذلك عقب نشر صحيفة «واشنطن بوست» تقريراً يفصّل مخاوف كبار الضباط العسكريين بشأن استمرار الحرب الأمريكية على إيران.
الصراع الأمريكي – الإيراني يعود للعام 1979، ودخل الآن مرحلة السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي، ويشهد تصعيداً مُتزامناً مع ارتفاع في أسعار الطاقة العالمية، وفي سعر الفائدة الأمريكي لمواجهة التضخم، مع تفاقم حروب وأزمات أخرى.
في جلسة استجواب وزيري الخارجية والحرب الأمريكييّن، ماركو روبيو، وبيت هيغسيت، داخل الكونغرس الأمريكي، واجه المشرعون الوزيريّن، بسؤال مركزي بديهي: ماهي أسباب الحرب مع إيران؟ والسؤال الثاني، أيضاً، وُجه للرئيس ترامب: لماذا تضع خيار «إسرائيل أولاً» بدلاً عن خيار «أمريكا أولاً»– الشعار الذي رفعه ترامب في خطاباته وضِمن وعوده للشعب الأمريكي أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية في عام 2024. وقد انسحب بعض المُشَرِّعِين من جلسة الاستجواب لعدم اقتناعهم بإجابات الوزيريّن اللذين فشلا في تقديم مبررات حقيقية مدعومة بأدلة موثوقة للعمليات العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج والشرق الأوسط وقد تشظت إلى حروب كارثية على جبهات عدة تستنزف المنطقة وشعوبها.
رحيل نخبة العسكريتاريا الأمريكية وتركهم للخدمة طوعاً أو كرهاً بمنزلة «ثورة» و«انشقاق سياسي» عَبّرا عن رُؤَى عسكرية – سياسية اسْتِثْنَائِيَّة، وإن عارضها «أنصار ولوبيات الحرب».
الخلاف بين العسكريين الذين أقيلوا أو استقالوا وإدارة الرئيس ترامب – طبقاً لتقارير – إدارية عسكرية بيروقراطية داخلية، قد لا تهمنا كثيراً، ولكن جوهر الخلاف هو الحرب مع إيران ومآلاتها. وقد تركت، نخبة العسكريتاريا الأمريكية، وصية ضمنية، مفادها أن تخفيض التصعيد العسكري وحل أزمة الحرب في الخليج سِلمياً صار «ضرورة». وهذا يتطلب وساطات متعددة ومبادرات سياسية فاعلة متبادلة بين الأطراف المعنية خاصة في ظل انعقاد الدورة ال 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك. وهذا يمثل البعد الآخر في معنى الإقالات والاستقالات والذي لا بد من أن تكون له تداعيات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية وعلى مجريات الحرب إن تواصلت.
