تكتب الفنانة التشكيلية الإماراتية مريم الزرعوني روايتها الأولى (سنوات المَغَر- هوامش من سيرة الغريب) بلغة تشكيلية أيضاً، فيها ذلك الضوء، والظل، والبرودة، والحرارة التي يحتاجها الرسام في إنجاز لوحة مكتملة البناء الفني الأصيل، ولكن في الوقت نفسه هي لغة سردية، وصفية بليغة الفصاحة حتى تكاد تجنح إلى اللغة التقليدية البلاغية القديمة، لغة العقّاد، والمنفلوطي، وقبلهما الجاحظ، ولكن مرة ثانية من دون أن تغرق في اللغة من أجل اللغة، بل، اللغة هنا من أجل الوصف والسرد.. اللغة من أجل سرد حكاية رجل عاش المغامرة، والجرأة، والغربة، والخذلان، والحب، وعرف السفر، كما عرف التجارة، وذكاء السوق، ولعبة البيع والشراء، والدراية الذكية بأنواع الأقمشة في البيئة الاجتماعية، والتجارية، والنفسية في دبي، والشارقة قبيل قيام دولة الاتحاد في أوائل السبعينات، وبعدها، حيث كانت تتشكل البنية الثقافية الأولى للحياة الاقتصادية والتجارية في الإمارات.
ولد بطل الرواية عزيب ابن صالح بن بكر الأعرج في الشارقة، وقرر العمل مبكراً من حياته الشابة في مصلحة استخراج (المَغَر) وهو أكسيد الحديد الأحمر المستخرج من جزيرة أبو موسى، حيث نشأته في الجزيرة، وذاكرته، وذاكرة عائلته، غير أن الأيام تأخذه إلى الكويت، وإلى (بوشهر)، ثم يعود إلى بلاده، وقد عرف وخبر القماش وأنواعه وصناعته، وقد ساعده على هذا النجاح شجاعته، وفطرته على المغامرة والتجربة، فضلاً عن معرفته اللغة الإنجليزية في وقت كانت فيه هذه اللغة بوّابة عملية للنجاح والامتياز في العمل والمجتمع.
تؤنس مريم الزرعوني الأشياء التي تمر في روايتها. إن هذه الأشياء المادية الجمادية مثل المرآة، والحجر، والمركب، والفونوغراف، والطائرة تصبح كائنات تتكلم على لسانها بضمير متدفق عادة هو ضمير المتكلم، ثم، وفي طبقات هذا السرد المتقطّع والموزّع على عدد من العناوين تحضر الخرافة، والمعتقدات الشعبية، تحضر الإرهاصات والبدايات الأولى لمجيء اليد العاملة إلى الإمارات، وتحضر اللهجة الشعبية الإماراتية، لهجة اللسان المحلي الطيب، والكريم في بلاغته ومعانيه.
الحروب التي مرّت على المنطقة، وأثرها على الملاحة، والفنون (أغنية جابر جاسم)، والطبيعة الأولى للمجتمع المحلية قبل توسع ثقافة الأسواق والاقتصاد التنافسي المهول.. كل تلك الحياة (الغنائية) البسيطة الأولى حاضرة في الرواية، التي تكشف عن إمكانية قوية في ما يتعلق بالوصف الذي هو عنصر أساس في السرد الروائي.
مريم الزرعوني، روائية تاريخ مكاني محلي شعبي، كما هي روائية ذاكرة، أحاطت بحياة شاب أمضى حياته في التراب الأحمر (المَغَر) وجعل من القماش قصيدة من الألوان.
[email protected]