مايك دولان*

تراقب البنوك المركزية حول العالم صدمة أسعار النفط الناتجة عن الحرب مع إيران بعيونٍ يقظة. صحيح أن التضخم هو الهاجس الأول لدى صانعي السياسات النقدية، لكنه ليس الوحيد. فالسيناريو الأسوأ لدى بعض كبار المسؤولين يتمثل في أن يتحول الارتفاع الحاد في أسعار الخام إلى نقطة انكسار تكشف تصدعات كامنة في النظام المالي.
السؤال القديم الذي يعود اليوم إلى الواجهة هو: هل تؤدي صدمات النفط، التي ترفع التضخم وتوقعاته، إلى إنهاك ميزانيات الأسر والشركات بدرجة تضغط على الطلب وتقود لاحقاً إلى تراجع الأسعار؟ أم أننا أمام السيناريو الأكثر سمّية، حيث يجتمع الأمران معاً، تضخم مرتفع يقابله تباطؤ اقتصادي؟ في هذه الحالة، يجد صانعو السياسات أنفسهم أمام معضلة حقيقية: إعطاء الأولوية لكبح التضخم أم لدعم المستهلكين والوظائف؟
أنصار التشدد النقدي يرون أن التحرك السريع لمواجهة التضخم يقلّص الضرر على الطلب، خصوصاً في البنوك المركزية التي تضع استقرار الأسعار في صلب مهامها. في المقابل، يدعو آخرون إلى تجاهل القفزات المؤقتة في التضخم، كما فعلت البنوك المركزية بعد جائحة كورونا، وهو خيار تبيّن لاحقاً أنه كان خطأً في تقدير المخاطر.
لكن الحكم في هذه المسألة ليس بسيطاً. فهناك سيل من المتغيرات التي تحيط بالمشهد: موقع السياسة النقدية قبل الصدمة، قدرة الحكومات على تقديم دعم أو فرض سقوف لأسعار الطاقة، ومدى طول أمد الحرب واضطراب الإمدادات. هذه الضبابية قد تدفع صانعي القرار إلى التريث ومراقبة تطورات الأسواق قبل القفز إلى استنتاجات متسرعة.
وهناك بُعد ثالث أيضاً تتبناه معظم البنوك المركزية الكبرى الآن إلى جانب إدارة التضخم والنمو، هو الاستقرار المالي.
يخشى كبار المسؤولين أن تكشف صدمة اقتصادية كبرى، تشمل الطاقة والتضخم وأسعار الفائدة والعملات وتقلبات الأسواق، عن اختلالات تراكمت في النظام المالي خلال السنوات الماضية.
ومن بين العديد من القضايا التي لفتت انتباه هيئات الرقابة في السنوات الأخيرة ما يسمى «القطاع المالي الموازي»، أو «الظل المصرفي»، الذي أصبح يلعب دوراً متنامياً في تمويل الشركات والحكومات خارج النظام المصرفي التقليدي.
ويشمل ذلك النمو السريع لصناديق الائتمان الخاصة، التي تجاوزت أصولها 3 تريليونات دولار عالمياً. فمديرو الأصول باتوا يقرضون الشركات مباشرة خارج القنوات المصرفية المعتادة. لكن ما يحدث داخل هذه الصناديق بعيد إلى حد كبير عن شفافية أسواق السندات أو معايير الإقراض المصرفي التقليدية، وهو ما يثير قلق المنظمين في حال تعرض الأسواق لصدمة مفاجئة.
ويخشى المنظمون أن يؤدي غياب الشفافية إلى موجة انسحاب مفاجئة للمستثمرين من هذه الصناديق، ما قد يخلق تأثيرات متسلسلة تمتد إلى الشركات المقترضة، بل وحتى إلى البنوك التي ما زالت تمول أو تدير جزءاً من هذه الأنشطة.
لكن مصدر القلق الأكبر ربما يتمثل في الدور المتزايد لصناديق التحوط ذات الرافعة المالية العالية في تمويل الديون الحكومية. فقد تصاعدت المخاوف خلال السنوات الماضية بشأن نشاطها المكثف في أسواق إعادة الشراء (الريبو) وصفقات المراجحة الضخمة في السندات الحكومية الأمريكية، حيث تراهن هذه الصناديق بمبالغ هائلة على فروقات صغيرة بين الأسعار الفورية والعقود الآجلة.
* محرر أسواق المال في «رويترز»