الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
مايك دولان
محرر الأسواق المالية في «رويترز»
أحدث مقالات مايك دولان
15 مارس 2026
صدمتان تُغذي إحداهما الأخرى

مايك دولان*

تراقب البنوك المركزية حول العالم صدمة أسعار النفط الناتجة عن الحرب مع إيران بعيونٍ يقظة. صحيح أن التضخم هو الهاجس الأول لدى صانعي السياسات النقدية، لكنه ليس الوحيد. فالسيناريو الأسوأ لدى بعض كبار المسؤولين يتمثل في أن يتحول الارتفاع الحاد في أسعار الخام إلى نقطة انكسار تكشف تصدعات كامنة في النظام المالي.
السؤال القديم الذي يعود اليوم إلى الواجهة هو: هل تؤدي صدمات النفط، التي ترفع التضخم وتوقعاته، إلى إنهاك ميزانيات الأسر والشركات بدرجة تضغط على الطلب وتقود لاحقاً إلى تراجع الأسعار؟ أم أننا أمام السيناريو الأكثر سمّية، حيث يجتمع الأمران معاً، تضخم مرتفع يقابله تباطؤ اقتصادي؟ في هذه الحالة، يجد صانعو السياسات أنفسهم أمام معضلة حقيقية: إعطاء الأولوية لكبح التضخم أم لدعم المستهلكين والوظائف؟
أنصار التشدد النقدي يرون أن التحرك السريع لمواجهة التضخم يقلّص الضرر على الطلب، خصوصاً في البنوك المركزية التي تضع استقرار الأسعار في صلب مهامها. في المقابل، يدعو آخرون إلى تجاهل القفزات المؤقتة في التضخم، كما فعلت البنوك المركزية بعد جائحة كورونا، وهو خيار تبيّن لاحقاً أنه كان خطأً في تقدير المخاطر.
لكن الحكم في هذه المسألة ليس بسيطاً. فهناك سيل من المتغيرات التي تحيط بالمشهد: موقع السياسة النقدية قبل الصدمة، قدرة الحكومات على تقديم دعم أو فرض سقوف لأسعار الطاقة، ومدى طول أمد الحرب واضطراب الإمدادات. هذه الضبابية قد تدفع صانعي القرار إلى التريث ومراقبة تطورات الأسواق قبل القفز إلى استنتاجات متسرعة.
وهناك بُعد ثالث أيضاً تتبناه معظم البنوك المركزية الكبرى الآن إلى جانب إدارة التضخم والنمو، هو الاستقرار المالي.
يخشى كبار المسؤولين أن تكشف صدمة اقتصادية كبرى، تشمل الطاقة والتضخم وأسعار الفائدة والعملات وتقلبات الأسواق، عن اختلالات تراكمت في النظام المالي خلال السنوات الماضية.
ومن بين العديد من القضايا التي لفتت انتباه هيئات الرقابة في السنوات الأخيرة ما يسمى «القطاع المالي الموازي»، أو «الظل المصرفي»، الذي أصبح يلعب دوراً متنامياً في تمويل الشركات والحكومات خارج النظام المصرفي التقليدي.
ويشمل ذلك النمو السريع لصناديق الائتمان الخاصة، التي تجاوزت أصولها 3 تريليونات دولار عالمياً. فمديرو الأصول باتوا يقرضون الشركات مباشرة خارج القنوات المصرفية المعتادة. لكن ما يحدث داخل هذه الصناديق بعيد إلى حد كبير عن شفافية أسواق السندات أو معايير الإقراض المصرفي التقليدية، وهو ما يثير قلق المنظمين في حال تعرض الأسواق لصدمة مفاجئة.
ويخشى المنظمون أن يؤدي غياب الشفافية إلى موجة انسحاب مفاجئة للمستثمرين من هذه الصناديق، ما قد يخلق تأثيرات متسلسلة تمتد إلى الشركات المقترضة، بل وحتى إلى البنوك التي ما زالت تمول أو تدير جزءاً من هذه الأنشطة.
لكن مصدر القلق الأكبر ربما يتمثل في الدور المتزايد لصناديق التحوط ذات الرافعة المالية العالية في تمويل الديون الحكومية. فقد تصاعدت المخاوف خلال السنوات الماضية بشأن نشاطها المكثف في أسواق إعادة الشراء (الريبو) وصفقات المراجحة الضخمة في السندات الحكومية الأمريكية، حيث تراهن هذه الصناديق بمبالغ هائلة على فروقات صغيرة بين الأسعار الفورية والعقود الآجلة.
* محرر أسواق المال في «رويترز»

3 مارس 2026
لماذا تصر أوروبا على رفع قيمة اليوان؟

في وقت ترفع فيه واشنطن الحواجز التجارية تباعاً، تحاول بكين إعادة توجيه دفة تجارتها نحو أوروبا. لكن الطريق إلى القارة العجوز لا يمر فقط عبر الصور الدبلوماسية والزيارات الرسمية، بل عبر مطلب أوروبي واضح: اتركوا اليوان يرتفع مقابل اليورو، لتكون المنافسة عادلة.
مؤخراً، حطّ المستشار الألماني فريدريش ميرتس في بكين للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، في أبرز زيارة لزعيم أوروبي منذ التوتر العلني الشهر الماضي بين الاتحاد الأوروبي وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خلفية ملف غرينلاند.
كما زار الصين هذا العام كل من رئيس وزراء فنلندا بيتيري أوربو ونظيره الإيرلندي سايمون هاريس، فيما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هناك في ديسمبر الماضي.
الرسالة السياسية واضحة، أوروبا تلوّح بإعادة احتضان الصين، بعدما جمدت مجدداً اتفاقاً تجارياً مع ترامب بسبب ضبابية سياسة الرسوم الجمركية الأمريكية ومخاوف أوسع بشأن العلاقات الثنائية. غير أن ما يجري لا يتعلق بالرمزية وحدها، بل بأرقام قاسية على طاولة المفاوضات.
الصين هي الشريك التجاري الأكبر لألمانيا، وقد نمت الروابط التجارية بين الجانبين منذ جائحة كورونا، حتى مع تراجع التجارة المباشرة بين واشنطن وبكين. وفي عام 2025، قفز الفائض التجاري الصيني إلى مستوى قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار سنوياً. ليثير هذا الاختلال الهائل قلقاً أوروبياً متصاعداً.
أحد أبرز مكامن التوتر، كما شدد ميرتس، هو أن أي توسع إضافي في تجارة الاتحاد الأوروبي مع الصين يتعرض لتشويه بسبب ما تعتبره أوروبا تقويماً منخفضاً بشدة للقيمة الحقيقية لليوان مقابل اليورو. وفي فعالية أعمال ألمانية-صينية، شجّع ميرتس الشركات الصينية على الاستثمار في أوروبا، لكنه أشار بوضوح إلى أن ارتفاعاً معتدلاً في اليوان سيُسهّل فتح التجارة من دون حواجز.
هل كانت تلك إشارة مبطنة إلى أن البديل هو رفع الحواجز؟ ربما. لكن المؤكد أن الضغوط الأوروبية لا تقتصر على سعر الصرف، بل تشمل شكاوى مزمنة بشأن الدعم الحكومي والإغراق. وفي لقائه مع رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، تحدث المستشار عن مخاوف محددة للغاية تتعلق بجعل التعاون أكثر عدالة.
السؤال الجوهري: هل سعر صرف اليورو مقابل اليوان مقلق فعلاً إلى هذا الحد؟
إذا نظرنا إلى تحركات اليوان مقابل الدولار هذا العام، نلحظ ارتفاعاً ملحوظاً، مع بيع كثيف للدولار محلياً رغم تقارير عن تدخلات بنوك الدولة أواخر العام الماضي لكبح صعود العملة. فقد ارتفع الرنمينبي لتسعة أيام متتالية مقابل العملة الأمريكية، وبنحو 5.5% خلال عام، مسجلاً أقوى مستوياته في نحو ثلاث سنوات.
لكن الصورة تختلف أمام اليورو. فعلى مدى عام كامل، بالكاد تغيّر السعر، بل إن مستوى اليورو مقابل يوان يكاد يوازي ما كان عليه عند اندلاع الجائحة قبل ستة أعوام. هذا «الاستقرار» الظاهري هو لبّ الشكوى الأوروبية.
فمنذ «كوفيد-19»، تعيش الصين شبه انكماش، مع استقرار أسعار مدخلات المنتجين تقريباً. في المقابل، قفزت الأسعار المماثلة في أوروبا بين 35% و40% تراكمياً. النتيجة: تحسن فعلي في القدرة التنافسية الصينية بالقيمة نفسها تقريباً. وبصيغة أخرى، ورغم انتعاش سعر الصرف الفعلي الحقيقي لليوان خلال العام الماضي، فإنه لا يزال أدنى بنحو 16% مقارنة بما كان عليه قبل أربع سنوات.
في دراسة لافتة العام الماضي، رأى الباحث يورغن ماتهيس من المعهد الاقتصادي الألماني أن العجز التجاري الألماني في السلع مع الصين تضاعف نحو أربع مرات منذ 2020، مدفوعاً ب«التباعد الهائل في أسعار المنتجين»، وبارتفاع حقيقي لليورو بنحو 40% مقابل اليوان. وذهب أبعد من ذلك، ملمّحاً إلى احتمال وجود تلاعب بالعملة، مشيراً إلى بيانات توحي بوجود طلب على اليوان بقيمة 125 مليار يورو بين 2020 و2024 لم ينعكس في سعر الصرف.
سواء اتفقنا مع هذا التشخيص أم لا، فإن تردد بكين في السماح بتعديل سعر الصرف بما يعكس فجوة التكاليف يعكس اعتمادها المستمر على الصادرات لتحقيق أهداف نمو طموحة، في ظل طلب محلي ضعيف وأزمة عقارية وديمغرافيا ضاغطة.
تجد أوروبا نفسها اليوم بين عملاقين اقتصاديين يتنازعان. فالموازنة بين واشنطن وبكين لم تعد ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة استراتيجية. لكن إذا أرادت بروكسل أن تفاوض من موقع قوة، فعليها، كما فعلت واشنطن، أن تضع مسألة «يوان أقوى» بوضوح على طاولة التفاوض. وإلا، فلن يكون لدى بكين أي حافز حقيقي لرفع الغطاء عن عملتها.

24 فبراير 2026
صقور تُحلق فوق البنوك المركزية

إذا كان الاقتصاد العالمي يتجه نحو طفرة قد تتجاوز حدود الأمان، وتدفع التضخم إلى الواجهة مجدداً، فإن الأصوات المطالبة بتشديد السياسة النقدية ستعلو بلا شك، والمفارقة أن هذا التحول المحتمل يأتي في لحظة حساسة، حيث تتزامن احتمالات تغيير القيادة في أكبر مصرفين مركزيين في العالم: مجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي.

الأسواق انشغلت لأشهر بالتكهنات، حول الضغوط السياسية على الاحتياطي الفيدرالي، لا سيما بعد ترجيح اختيار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لكيفن وارش على رأس هرم المركزي اعتباراً من مايو/ أيار المقبل.

أما في أوروبا، فتبدو الصورة أقل استقراراً مما توحي به التصريحات الرسمية، وبحسب تقارير صحيفة، قد تغادر رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد منصبها قبل نهاية ولايتها في أكتوبر/ تشرين الأول 2027، ورغم نفي البنك المتكرر لهذه الأنباء، فإن تسريبات تشير إلى أن السبب الرئيسي لاحتمال رحيلها هذا العام هو إتاحة الفرصة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمشاركة في اختيار خليفتها، قبل انتهاء ولايته في إبريل/ نيسان العام المقبل.

الرهان هنا ليس شخصياً، بل سياسي بامتياز، فثمة مخاوف في باريس وبروكسل من احتمال صعود مرشح يميني متشكك في الاتحاد الأوروبي إلى الإليزيه العام المقبل، ما قد يمنحه نفوذاً واسعاً في تحديد هوية من يقود المؤسسة النقدية الأهم في منطقة اليورو، ورغم أن تقديم موعد التعيين قد يُنظر إليه كمناورة تضعف شرعية البنك واستقلاله، فإن القلق الأكبر لدى المستثمرين يظل: من سيخلف لاغارد؟

منذ تأسيس البنك المركزي الأوروبي، قبل 27 عاماً، لم تتولَّ ألمانيا رئاسته، رغم كونها أكبر اقتصاد في التكتل، كان ذلك جزءاً من تفاهم غير مكتوب في تسعينات القرن الماضي، يقضي بأن تتنازل برلين عن المنصب لتبديد المخاوف من هيمنة «البوندسبانك»، البنك المركزي الألماني، مقابل قبول الدول الأخرى بقواعد مالية صارمة ضمن معاهدات اليورو.

لكن الزمن تغيّر، فقد تعاقب على الرئاسة فرنسيان، وإيطالي، وهولندي، واليوم ربما ترى برلين أن دورها قد حان، بل إن سنوات التوافق التي أرستها لاغارد ربما مهدت لقبول قيادة ألمانية.

رئيس «البوندسبانك»، يواكيم ناغل، أعلن صراحة أنه يمتلك المؤهلات اللازمة، ويجب النظر في ترشيحه، وكما هو حال أسلافه، يُنظر إليه باعتباره أكثر تشدداً تجاه مخاطر التضخم، صحيح أن لرئيس البنك صوت واحد بين 21 صوتاً، يتم التناوب عليها في اجتماعات البنك المركزي الأوروبي الدورية، لكن قدرته على صياغة التوافق تحدد النبرة.

وجود شخصية ألمانية على رأس المركزي الأوروبي، لا يعني بالضرورة اندفاعة فورية نحو رفع الفائدة، لكنه قد يعني مقاومة أشد لأي تيسير إضافي في دورة اقتصادية آخذة في التسخين.

تتجه السياسات المالية عالمياً نحو التوسع: إنفاق دفاعي متزايد، استثمارات تكنولوجية هائلة، وتحولات تجارية عميقة، ألمانيا نفسها تخلّت عن «كابح الديون»، فيما تدفع طفرة الذكاء الاصطناعي الطلب في القطاع الخاص إلى مستويات جديدة.

حتى إن لم تصل ألمانيا إلى الرئاسة، فقد يتغير توازن مجلس إدارة المركزي الأوروبي، فالمقايضات السياسية بين عواصم اليورو قد تعزز الحضور المتشدد.

* محرر أسواق المال في «رويترز»

(رويترز)


1 فبراير 2026
حين يقاوم الدولار كل التوقعات

مايك دولان *
كان كبح جماح ارتفاع الدولار الخيالي، بنحو 50% على مدى خمسة عشر عاماً، ركيزة أساسية في أجندة ترامب الاقتصادية. والآن، بعد أن تلاشت النجاحات المبكرة، يبدو أن هذا المسار فقد زخمه. وتُرجح الأسواق أن يكون انخفاض العام الماضي، بنسبة 7%، هو النهاية.
ومع توجه الرئيس الأمريكي إلى المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وتزامن ذلك مع ذكرى تنصيبه الثاني، يتضح أن المزاج العام تجاه «العملة الخضراء» قد تغيّر، حتى بين بعض أشد المتشائمين بشأنها في العام الماضي.
الأسباب في جوهرها، ليست معقّدة. والمخاوف التي سادت مطلع العام الماضي من هروب رؤوس الأموال الأجنبية من الأسواق الأمريكية، على خلفية الاضطرابات التجارية والسياسات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية، لم تتحقق فعلياً. كما تلاشت موجة التحوط من تقلبات العملات. بل على العكس، تسارع النمو الاقتصادي الأمريكي، واحتفظ الدولار، إلى حدّ كبير، بميزة فارق أسعار الفائدة.
وحتى حملة ترامب المتجددة بشأن استقلالية الفيدرالي لم تُحدث صدمة كبيرة في أسواق الصرف، ولم تغيّر قناعات المستثمرين بشأن المسار الطويل الأجل للسياسة النقدية. والنتيجة أن الدولار، بعد أسوأ أداء له في النصف الأول من أي عام منذ اعتماد أسعار الصرف العائمة، استعاد توازنه منتصف 2025، وارتفع بنحو 2% عن أدنى مستوياته. وعند قياس الأداء بصورة أشمل، تأخذ في الحسبان الانكشاف التجاري الواسع للولايات المتحدة وديناميات التضخم، يتبيّن أن مؤشر سعر الصرف الحقيقي الفعّال للدولار تراجع بنحو 7% فقط من أصل مكاسب بلغت 47% بين 2011 ونهاية 2024.
لقد كانت المكاسب المتواصلة للدولار خلال العقد الماضي مدفوعة، أساساً، بفترة طويلة من تفوق الاقتصاد الأمريكي وأسواقه المالية على نظرائها في الاقتصادات المتقدمة الأخرى. ويبدو أن هذا التفوق عصيّ على التآكل، حتى في ظل نهج ترامب المربك داخلياً وخارجياً.
فقد أنهى الاقتصاد الأمريكي العام بنمو سنوي يفوق 4%، ورفع البنك الدولي توقعات النمو إلى 2.2% في 2026، أي أكثر من ضعف المتوقع لمنطقة اليورو أو اليابان. كما تشير التقديرات إلى أن أرباح شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» ستنمو بأكثر من 15% العام المقبل، أي أسرع بنحو أربع نقاط مئوية من نظيرتها في مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي.
ومع عودة هذه الأفضلية الأمريكية، استقرت توقعات الدولار. فقد أظهر استطلاع لرويترز هذا الشهر أن التوقع الوسيط لسعر صرف اليورو مقابل الدولار بعد عام يبلغ 1.20، ما يعني ضعفاً إضافياً محدوداً للدولار لا يتجاوز 3%.
يرى كيت جاكس، كبير استراتيجيي العملات في «سوسيتيه جنرال»، أن السيناريو الواقعي الوحيد لعودة بيئة سلبية للدولار يتمثل في تصحيح حاد في مؤشرات الأسهم الأمريكية يكبح النمو. غير أن هذا القلق، الذي كان سائداً معظم العام الماضي، يبدو اليوم بعيد المنال. أما جورج سارافيلوس من «دويتشه بنك»، أحد أبرز المتشائمين حيال الدولار في 2025، فتغيرت نبرته. ورغم تمسكه بنظرة سلبية طويلة الأجل، مستنداً إلى تآكل بعض عناصر التفوق الاقتصادي وميزة الفائدة، يعتقد أن أي تراجع جديد يتطلب محفزاً مختلفاً. ويقول لعملائه: «قناعتنا السلبية تجاه الدولار أضعف مما كانت عليه العام الماضي».
فهل كان ذلك كل شيء؟ هل انتهى «فك الارتباط الكبير» للدولار الذي توقعه كثيرون في فريق ترامب، نتيجة حرب تجارية حمائية وضغوط سياسية على الاحتياطي الفيدرالي؟
ترتكز السردية الاقتصادية لترامب على أن العجوزات التجارية الأمريكية المتفاقمة ناجمة عن ممارسات غير عادلة من الخارج، وأن فوائض الادخار الأجنبية أُعيد تدويرها ببساطة في الأسواق الأمريكية، ما أغنى «وول ستريت» وأصحاب الأصول، وأضعف الصناعة والوظائف المحلية عبر إبقاء الدولار عند مستويات مبالغ فيها.
صحيح أن موجة الرسوم الجمركية وتراجع الدولار في ربيع العام الماضي بدت وكأنها تسير وفق الخطة، مع تضرر الأسواق الأمريكية وارتفاع عدم اليقين. لكن حزمة سياسات ترامب الأوسع، من التحفيز المالي وتخفيف القيود التنظيمية، إلى ركوب موجة الذكاء الاصطناعي، أعادت إشعال النمو ورفعت أسهم «وول ستريت»، لتوقف نزيف الدولار. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن الجمع بين كل هذه السياسات دون تناقض؟ أم أن ضعف الدولار يتوقف تلقائياً عندما ينتعش الاقتصاد والأسهم؟
* محرر أسواق المال في «رويترز»

22 يناير 2026
تلاشي تأثير الاحتياطي الفيدرالي

مايك دولان*
مع أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خفّض أسعار الفائدة مؤخراً، إلا أن تكاليف الاقتراض في بقية أنحاء العالم تتجه للصعود مجدداً مع انقلاب دورة أسعار الفائدة العالمية. وهذا التحوّل سيكبِح على الأرجح بعض التوقعات الاقتصادية والتقديرات المتفائلة للأسواق خلال الأشهر ال12 المقبلة.
ومهما كانت توقعات 2026، فإنها على الأرجح لن تكون سنة السندات. وإذا كان انعكاس اتجاه أسعار الفائدة يحدث بعيداً عن الفيدرالي الأمريكي، فمن غير المحتمل أيضاً أن تكون سنة الدولار. فحتى في غياب صدمة مفاجئة، أصبحت أسواق الاقتراض العالمية مضطربة، وسط اعتقاد متزايد لدى المستثمرين بأن نهاية دورة التيسير النقدي باتت وشيكة، وهم الآن يحاولون تسعير موعد أول رفع للفائدة في الدورة المقبلة. وألمح بعض صقور البنك المركزي الأوروبي إلى أن الخطوة التالية قد تكون رفع الفائدة. وأعلن بنك الاحتياطي الأسترالي بوضوح أنه أنهى مسار الخفض، فيما صدرت رسائل مشابهة، وإن بشكل أقل حدة، عن بنك كندا وبنك الاحتياطي النيوزيلندي.
وحتى لو قررت البنوك المركزية الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في 2026، فإن أسواق السندات لأجل عامين أو أكثر ستحتاج إلى إعادة التسعير استعداداً لما سيأتي بعد ذلك.
إن النظر إلى عوائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات يكشف أن التغيير جارٍ بالفعل. فالعائد الياباني بلغ أعلى مستوى له في 18 عاماً، والعائد الأسترالي سجل أعلى مستوى في عامين، بينما ارتفعت العوائد الكندية 30 نقطة أساس في ديسمبر. وحتى سندات الخزانة الأمريكية ارتفعت إلى أعلى مستوى في ثلاثة أشهر رغم استمرار سياسة التيسير.
وقال لورنس موتكن، الاستراتيجي في «بي إم أو»، إن هذه التحركات تعكس اقتراب نهاية دورة الخفض، مشيراً إلى القفزة في عوائد السندات الآجلة لعامين، والتي تعكس رؤية أكثر توازناً لمعدل السياسة المحايد.
وعلى سبيل المثال، ارتفع العائد الألماني على هذا الأجل إلى 2.61%، مقارنة بمعدل البنك المركزي الأوروبي البالغ 2%. أما في أستراليا، فبلغ هذا العائد 4.5% مقابل معدل 3.6% للفائدة الرسمية.
عالمياً، ترتفع العوائد عبر أكبر قاعدة من السندات السيادية والشركات حول العالم. إذ ارتفع عائد مؤشر «بلومبرغ مالتيفيرس» 25 نقطة أساس في ستة أسابيع، ليبلغ أعلى مستوى منذ يوليو. أما شريحة السندات الحكومية ضمن المؤشر فارتفعت إلى أعلى مستوى منذ يناير.
ورغم أن توقعات الأسواق بشأن زيادات الفائدة المقبلة لا تزال متواضعة، فإن الإحساس بنهاية دورة التيسير يأتي في توقيت معقّد لأسواق السندات. كما أن مخاوف الديون العامة المتزايدة تراجعت خلال العامين الماضيين مع تراجع التضخم وهدوء أسعار الفائدة، لكن إذا كان هذا الهدوء قد انتهى، فإن أساسيات سوق السندات الهشة تعود إلى الواجهة.
وسيبدأ التحفيز المالي في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا والصين وكندا أثره في 2026، بالتزامن مع ارتفاع اقتراض الشركات لتمويل الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وطفرة الاندماجات والاستحواذات، ما يزيد الضغط على سوق الائتمان المرتفع التكلفة أساساً.
وفي الوقت نفسه، يستمر الحجم الاسمي للديون العالمية في الارتفاع. إذ أظهر تقرير «معهد التمويل الدولي» أن الدين العالمي بلغ مستوى قياسياً جديداً يقارب 346 تريليون دولار حتى الربع الثالث من 2025، مدفوعاً بقفزات في ديون الولايات المتحدة والصين ثم فرنسا وإيطاليا والبرازيل.
كما يقترب الدين العالمي للشركات غير المالية من 100 تريليون دولار، بينما بلغ دين الأسر عالمياً 64 تريليون دولار.
* محرر أسواق المال في «رويترز»

8 يناير 2026
الذكاء الاصطناعي.. اختراق أم فقاعة؟

مايك دولان*

منذ أن ظهر تطبيق «تشات جي بي تي» إلى العلن قبل ثلاثة أعوام، انقسم المستثمرون إلى فريقين: فريق اندفع بقوة نحو موجة الذكاء الاصطناعي، وفريق آخر لم يتوقف عن التحذير من فقاعة تكنولوجية جديدة تلوح في الأفق.
المتفائلون يؤمنون بأن «هذه المرة مختلفة»، لأن الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد قصة تقييمات أسهم أو قطاع محدود، بل تحوّل اقتصادي شامل على مستوى الاقتصاد الكلي. في المقابل، يرى المشككون أن خطر «سخونة» الاقتصاد لا يزال قائماً بقوة.
وتعتمد استثمارات بمليارات الدولارات في مجال الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس المقبلة على قناعة بأن تحولاً تكنولوجياً ضخماً يغيّر بنية الاقتصاد الأمريكي، وربما العالمي، بات جارياً بالفعل. غير أن المتحفظين يرون أن الاعتماد على الإيمان وحده لا يكفي، ويحذرون من أن العوائد قد لا تبرر هذا الإنفاق المحموم، في ظل ارتفاع التقييمات، وتصاعد المديونية، ووجود رابحين وخاسرين بشكل لا مفر منه.
ولأخذ رؤية أوسع، يمكن النظر إلى المسألة من منظور تاريخي طويل، لفهم ما قد يعنيه الذكاء الاصطناعي لنمو الاقتصاد مقارنة بما شهده الماضي.
وتناول استراتيجيون في شركة بلاك روك، أكبر مدير أصول في العالم، هذا السؤال في تقريرهم السنوي، الذي خلص إلى أن حتى هذا التحول التكنولوجي الهائل سيجد صعوبة بالغة في إخراج الاقتصاد الأمريكي من مساره التاريخي الذي سار عليه طوال قرن ونصف القرن.
يقول التقرير: «الولايات المتحدة تقف عند حدود الريادة الاقتصادية العالمية، لكن جميع الابتكارات الكبرى خلال ال150 عاماً الماضية، من المحرك البخاري والكهرباء إلى الثورة الرقمية، لم تكن كافية لكسر اتجاه النمو البالغ نحو 2%. إن تجاوز هذا الحد ليس بالأمر السهل.»
ومع ذلك، ترى «بلاك روك» أن هذا الاختراق، وإن كان صعباً، ليس مستحيلاً. والسبب هو أن الذكاء الاصطناعي، من وجهة نظرها، ليس مجرد ابتكار بحد ذاته، بل يتمتع بالقدرة على ابتكار عملية الابتكار نفسها. أي إن الذكاء الاصطناعي قد يصبح قادراً على توليد أفكار جديدة واختبارها وتحسينها ذاتياً، ما قد يسرّع من وتيرة الاكتشافات العلمية في مجالات المواد والأدوية والتكنولوجيا.
ويُظهر رسم بياني أعدته «بلاك روك» لنمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة منذ عام 1870 أن النمو ظل قريباً من خط 2%، باستثناء فترات اضطراب كبرى مثل الحرب العالمية الثانية. كما لم تسجل سوى فترتين من النمو فوق المعدل: أواخر القرن التاسع عشر، وتسعينات القرن الماضي. ورغم ذلك، لم ينحرف المسار طويلاً عن هذا الاتجاه.
ومع هذا، قد يكون السؤال المطروح اليوم: هل تكون هذه المرة مختلفة فعلاً؟
من الواضح أن قصة الذكاء الاصطناعي هذا العام غطّت على معظم المخاوف الأخرى، سواء المتعلقة بالدورة الاقتصادية أو السياسات النقدية والمالية. لكن بينما ينتظر العالم ثمار هذا التحول الكبير، يبقى الأفق الاقتصادي القريب، في نظر كثيرين، محكوماً بسقف نمو قريب من 2%، خاصة مع استمرار الاختناقات في سوق العمل وسلاسل الإمداد والطاقة والقدرة الإنشائية.
ومع أن نمو الناتج المحلي تجاوز التوقعات منذ صدمة الرسوم الجمركية في بداية العام، وتسارع الاستثمار الرأسمالي، في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى من هدف 2%، فإن عدداً متزايداً من الاقتصاديين باتوا يخشون من أن يشهد العام المقبل سخونة اقتصادية مفرطة.
وتعود الأنظار مرة أخرى إلى سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في ظل استمرار التيسير النقدي، وما يرافقه من قلق متصاعد بشأن التأثير السياسي المحتمل على البنك المركزي، خاصة مع اقتراب انتهاء ولاية رئيسه الحالي جيروم باول في مايو المقبل.
وعلى عكس سنوات سابقة، بات يُنظر إلى المزيد من خفض الفائدة اليوم باعتباره مخاطرة اقتصادية بقدر ما هو فرصة: فهو مفيد على المدى القصير لأسواق الأسهم والأصول الخطرة، لكنه قد يحمل في طياته مشكلات تضخمية على المدى الأطول.
وفي مراجعة تاريخية أخرى، أشار الخبير الاستراتيجي في «دويتشه بنك»، هنري ألين، إلى أن خفض أسعار الفائدة خارج فترات الركود كثيراً ما أدى في السابق إلى موجات من السخونة الاقتصادية. ولفت إلى أن خفض الاحتياطي الفيدرالي للفائدة بمقدار 150 نقطة أساس منذ سبتمبر من عام 2024 يُعد الأسرع خارج فترات الركود منذ ثمانينات القرن الماضي.
وقال ألين: «الخفض السريع للفائدة كثيراً ما يؤدي إلى سخونة الاقتصاد، خاصة إذا ترافق مع سياسة مالية توسعية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الولايات المتحدة في أواخر الستينات، عندما أدى خفض الفائدة إلى موجة تضخم جديدة انتهت لاحقاً بركود بعد أن عاد الفيدرالي للتشديد».
* محرر أسواق المال في «رويترز»