يسرا عادل

في الحروب الكبرى لا يقاس وقع الصواريخ بعددها فقط، بل بما تكشفه من خلل في الخرائط التي ظنت الدول طويلاً أنها تحميها. الحرب الإيرانية - الإسرائيلية الأمريكية لم تكن مجرد تبادل للنيران في سماء الخليج، بقدر ما بدت اختباراً قاسياً لهندسة الأمن التي بُنيت حوله طوال عقود، اختباراً نجحت فيه دول الخليج بكل أبعاده، بمنظومة ردعها، برباطة جأش قادتها، بتماسك مواطنيها ومقيميها. لكن دوناً عن ذلك كان قاسياً.
وفي وقت أظهرت منظومات الدفاع الجوي الخليجية قدرة واضحة على احتواء موجات الصواريخ، يبدو أن طهران تلوح بالماء بعد السماء، فهل آن الأوان إلى إعادة صياغة الأمن الخليجي وفق المعطيات الأخيرة؟
لم يعد البحر، مجرد خلفية هادئة لحركة التجارة والنفط في الخليج. فمع تصاعد التوتر بدأت طهران تلوح بأدوات بحرية متقدمة، من بينها صواريخ ومنظومات عالية السرعة تبلغ نحو مئة متر في الثانية، وهي سرعة تعني قدرة على إصابة أهداف حساسة على امتداد الساحل. فالسفن لم تعد الهدف الوحيد من التهديد، بل تمتد الدائرة لتشمل منشآت التحلية التي تقوم عليها الحياة اليومية في مدن الخليج، فضلاً عن الألغام البحرية التي تهدد كل السفن بمختلف أطيافها. دول الخليج تعتمد على تحلية مياه البحر في أكثر من 70 في المئة من مياه الشرب، وتنتشر عشرات المحطات الكبرى على امتداد سواحل الخليج. وفي بيئة كهذه، تصبح ضربة دقيقة لمحطة تحلية أو خط أنابيب ساحلي قادرة على تحويل البحر من مصدر للحياة إلى أداة ضغط استراتيجي.
غير أن المفارقة الأعمق تكمن في الجغرافيا نفسها. فمضيق هرمز وباب المندب لم يعودا مجرد ممرين منفصلين على خرائط الملاحة، بل شريان مزدوج يتدفق عبره أمن الخليج المائي والغذائي والطاقي معاً. عبر هرمز وحده يمر نحو خُمس تجارة النفط العالمية، فيما يشكل باب المندب البوابة التي تربط الخليج بطرق التجارة نحو البحر الأحمر وقناة السويس.
وقد أظهرت حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي كيف يمكن للمياه أن تتحول من ممر للتجارة إلى مسرح صراع عالمي. ولهذا فإن ما يحدث في هرمز لا يبقى محصوراً في الخليج، بل يمتد صداه سريعاً إلى البحر الأحمر، ورغم أن ورقة باب المندب لم تُستخدم بعد، فإن وجودها على الطاولة يكفي ليجعل البحر الأحمر امتداداً طبيعياً للأزمة، لا هامشاً بعيداً عنها.
وهكذا تتغير نقطة البداية، فالتصعيدات المقبلة قد لا تبدأ من حقل نفطي، بل من ضربة دقيقة لمحطة تحلية، أو من تهديد لممر ملاحي يغذي الخليج بالماء والغذاء والطاقة معاً.
وسط هذا المشهد، بدا صبر الخليج خلال الأسبوعين الماضيين أشبه بميزان دقيق بين القوة والرزانة. فالردع لا يُقاس دائماً بعدد الضربات التي تُطلق، بل أحياناً بقدرة الدول على الامتناع عنها.
لكن النقاش حول خيارات ردع جديدة لم يعد ترفاً، بل مسألة أمنية تبحث في التوازن الإقليمي. فالخليج يعيش في بيئة جيوسياسية مزدحمة بقوى نووية أو قريبة من العتبة النووية. ففي الشرق تقف الهند وباكستان بترسانتيهما النوويتين، وفي الغرب تمتلك إسرائيل قدرات نووية معروفة، بينما تواصل إيران الاقتراب من العتبة النووية. وفي مثل هذه البيئة، يصبح الحديث عن إعادة صياغة الأمن الخليجي جزءاً من التفكير في إعادة التوازن الاستراتيجي.
التاريخ نفسه يوضح هذه المعادلة. فالدول لا تلجأ إلى الردع النووي دائماً بدافع الطموح، بل كثيراً ما يكون ذلك نتيجة شعور باختلال ميزان القوى. لم تدخل باكستان النادي النووي إلا بعدما شعرت بأن ميزان القوة التقليدي مع الهند يميل ضدها. ولم تتمسك كوريا الشمالية ببرنامجها النووي لأنها الأقوى اقتصادياً بل لأنها أرادت ضمان قدرتها على الصمود في بيئة تهديدية غير متكافئة.
التفكير في هذا الاتجاه لا يمكن فصله عن الدروس الأوسع التي كشفتها الحرب. فلا معنى لأي برنامج استراتيجي جديد إذا بقيت المياه والمضائق عرضة للتهديد، ولا جدوى من الحديث عن ردع جديد من دون مراجعة صريحة لطبيعة العلاقة الأمنية مع واشنطن. فالردع ليس تقنية واحدة، بل منظومة كاملة تبدأ من البر والبحر والجو، وتمر عبر التحالفات، ولا تنتهي عند حدود التكنولوجيا.
ومن هنا يقف الخليج اليوم أمام مسارين متكاملين لا متناقضين. الأول هو الاستمرار في المنظومة الحالية مع تعزيزها وتوسيع قدراتها الدفاعية. أما الثاني فهو الانتقال التدريجي إلى معادلة أمنية أكثر شمولاً: أمن مائي-مضائقي، شبكة تحالفات أكثر تنوعاً، وبرنامج استراتيجي متقدم يضيف طبقة جديدة إلى منظومة الردع في الإقليم.
ففي عالم تُقاس فيه القوة بما تحميه لا بما تنتجه فقط، قد يكون أكبر إنجاز للخليج بعد هذه الحرب أن يكتب بنفسه معادلة أمنه.

[email protected]