يونس السيد
تتصاعد وتيرة محاولات المستوطنين لخلق وترسيخ واقع ميداني جديد في الضفة الغربية المحتلة، بمشاركة وحماية قوات الاحتلال، تمهيداً لفرض عملية الضم كأمر واقع تحت أنظار المجتمع الدولي، في تحد صارخ لقوانين وقرارات الشرعية الدولية، وفي عملية استغلال واضحة لانشغال العالم بالحرب على إيران، والاعتداءات الإيرانية السافرة على الإمارات ودول الخليج.
ولكي نكون أكثر إنصافاً، فالمحاولات الإسرائيلية، سواء كانت رسمية أو من خلال المستوطنين، لم تتوقف منذ زمن طويل، عن العمل لابتلاع الضفة الغربية، في إطار سياسة ممنهجة تقوم على تكثيف الضغوط على الفلسطينيين بهدف تهجيرهم وتفريغ الأرض من أصحابها الأصليين. لكن التصعيد الإقليمي الناجم عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، منح المستوطنين وسلطات الاحتلال مساحة أكبر من الحرية في تنفيذ الاعتداءات ضد الفلسطينيين من دون أي مساءلة، أو ضغوط في غياب ردود فعل دولية فاعلة.
وبالتالي تضاعف حجم هذه الاعتداءات ليصل إلى الذروة مع قيام المستوطنين بارتكاب مجازر مباشرة بحق الفلسطينيين، إذ لم يعد الأمر يقتصر على الاعتداءات التي يمكن وصفها ب«الروتينية» بالاستيلاء على المزيد من الأرض وتدمير الممتلكات وسرقة المواشي واستهداف التجمعات البدوية وتهجيرها، خصوصاً في محيط القدس والأغوار الشمالية. وسبق للمؤسسة الرسمية الإسرائيلية، أن مهدت لإنشاء هذا الواقع الميداني الجديد، عبر سن التشريعات التي تضفي «الشرعية» الإسرائيلية على كل المستوطنات والبؤر العشوائية وتسمح للمستوطنين بالاستيلاء على أراضي الضفة الغربية، بعد تسجيلها ك«أراضي دولة»، مباشرة ومن دون اللجوء إلى شركات وهمية وسيطة، كما كان يحدث من قبل.
وفي إطار هذه السياسة الممنهجة لتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، تم اتخاذ المزيد من الخطوات الممهدة لعملية الضم الفعلي، والتي يتم تقاسم الأدوار فيها على مستويين، الأول من خلال تسريع عملية توسيع الاستيطان والتهويد ونشرها حتى في داخل التجمعات الحضرية الفلسطينية، كما هو حال المستوطنة التي أقيمت ليلاً وبطريقة سرية على قمة جبل عيبال في نابلس، ناهيك عن انتزاع المستوطنين لممتلكات الفلسطينيين بالقوة، من خلال العنف والإرهاب، الذي وصل إلى داخل منازل الفلسطينيين. والثاني بواسطة قوات الاحتلال، ليس فقط من خلال توفير الحماية للمستوطنين، وإنما عبر عملية ترهيب واسعة تشمل الاقتحامات والاعتقالات اليومية، وتوسيع دائرة العقاب الجماعي والتحقيقات الميدانية وتحويل منازل الفلسطينيين إلى ثكنات عسكرية بهدف تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم.
والأخطر هو نشر قوات عسكرية ضخمة في الضفة الغربية، وإدخال الدبابات والمدرعات وناقلات الجند ضمن دوريات عسكرية إلى المدن والقرى الفلسطينية، رغم عدم وجود أي تهديدات أمنية، كما تشير التقارير، بهدف إحداث ما يمكن تسميته ب«التطبيع العسكري» الإسرائيلي من أجل فرض الواقع الميداني الجديد. غير أن هذا الواقع الميداني الجديد ليس معزولاً عما يجري في الإقليم، بقدر ما يمهد لفرض خطوات سياسية مستقبلية بالتوازي مع التحولات الجارية في المنطقة.