رضا السميحيين

قبل عقدين، كان فعل القراءة عند البعض أشبه ما يكون بالعادة في الجدول اليومي، كان الكتاب أو الرواية رفيق الطريق في السفر أو الحافلات، كما كانت الأرصفة تتزين بأغلفة المجلات والصحف، ممرات المقاهي تشهد ورشاً ثقافية «على الطاير»، لمناقشة قضية فكرية أو نقدية، كانت عادة تعرف ب«القراءة للمتعة»، والتي يبدو أنها تنسحب بهدوء من تفاصيل حياتنا اليومية، تاركة خلفها شعوراً بالفقد الثقافي، الذي يشار إليه حين نتحدث عن «ضعف الإقبال على الكتاب» أو «تراجع المبيعات»، لكن يبدو أن المسألة أعمق من ذلك، فالمتعة بالقراءة، تعد مؤشراً، وميزاناً لحيوية المجتمع.
ارتبطت القراءة على الدوام، بالهروب من الضيق اليومي وضغوط الحياة، يستمتع من خلالها القارئ باكتشاف عوالم موازية، تمنحه فرصة للمتعة والفائدة الفكرية معاً، من عوالم ليو تولستوي إلى غابات ماركيز وأزقة نجيب محفوظ، كلها كانت تمنحك الفرصة من خلال القراءة للتعرف إلى الذات من خلال الآخرين.
أما اليوم، فنشهد تحولاً في علاقتنا بفعل القراءة، إذ بات جل ما نقرأه، إما لغايات عملية لتعلم مهارة، وإما لاجتياز اختبار، أو للاطلاع على تفسيرات موجزة لما يحدث حولنا في العالم، وهنا ندرك أن المتعة تراجعت أمام ضغوط العصر.
ولعل ما يتبادر للذهن هو سؤال، لماذا تراجعت القراءة للمتعة؟ والإجابة في الواقع متعددة الوجوه، فهناك التحول التكنولوجي الذي جعل من الهواتف والشاشات الوسيط الجديد، لاكتساب المعرفة والترفيه معاً، ومعها أصبح الوقت الذي كان يخصص للكتاب الورقي يكاد يتلاشى بين مقاطع الفيديو القصيرة ومواقع الأخبار، ثم هناك ضغط الحياة اليومية، فالموظف الذي يغادر عمله في المساء بالكاد يجد طاقة للقراءة، والشباب الذي يركض خلف متطلبات الحياة الرقمية، يجد في جاذبية «اللايك» ما يصرفه عن صفحات الكتاب الصماء.
لكن في المقابل ولنكن منصفين، فالصورة ليست قاتمة تماماً، فبين الحين والآخر تظهر مبادرات تذكرنا بأن الرغبة في القراءة لاتزال حاضرة مثل: «تحدي القراءة العربي» وحملات القراءة الجماعية على وسائل التواصل، وقد شهدنا في السنوات الماضية روايات تحقق انتشاراً واسعاً، لأنها تتحدث بلغة الجيل، تصدرها أقلام شابة عربية، وهذه المحاولات تؤكد أن القارئ ما زال حاضراً وشغوفاً، لكنه بحاجة إلى من يعيد تعريف المتعة له من جديد.
ربما لا نستطيع أن نرجع القراءة إلى مجدها القديم، لكننا نستطيع أن نعيدها إلى حياتنا تدريجياً كمتعة يومية، فالقراءة التي تبني الخيال وتوسع الأفق، هي تلك التي نمارسها بدافع المتعة لا الواجب.
[email protected]